الثلاثاء، 30 أغسطس 2016

الفصل 4 - شارع رمسيس ج4

عاد " شمس وميشال " إلى عملهما ، وبعد أسبوع عزم " ميشال " على السفر إلى بروكسل مرة أخرى بناء على طلب محامي العم ، لكن هذه المرة لم يطلب             " شمس " منه مرافقته في سفره ، بل تمنى له فقط رحلة موفقة والعودة بسلام .
وبعد عودته من السفر وعلى غير العادة اتصل " بشمس " وأبلغه بدعوته له على العشاء  - بعيداً عن فندق " راديسون بلو " -  في أحد المطاعم المُطلة على نهر              " شيلد " حيث تقع " إنتويرب " على الضفة اليُمنى من النهر، حضر لمقابلة               " شمس " وهو يحمل بيديه رسما هندسيا ، وتبدو على ملامحه سعادة بالغة .
ميشال : افتقدتك كثيراً صديقي العزيز، لكنها المرة الأخيرة التي سأفارقك فيها لأننا سنظل سوياً طوال العمر
شمس : وأنا أيضا افتقدتك ، يبدو أنها كانت رحلة موفقة
ميشال : نعم ، موفقه جداً ، انظر لهذا الرسم الهندسي ، إنه سبب سعادتي ، سافرت إلى بروكسل لمقابلة محامي عمي لإنهاء إجراءات استلام التركة ، وهى مليارات، لكن أعمال عمى التجارية لا تروق لي ، ولا أفهمها كثيرا ً، أنا أحب السياحة ، لذلك سأقوم بتصفية الكثير منها ، وبيعها بالمزاد العلني ، واستغلال الأموال في مشروع كبير جداً ستشاركني فيه العمل ، وقد بدأت فعلا في إجراءاته 
أخرج " ميشال " من جيبه ورقة وأعطاها " لشمس "، وقال له اقرأ هذه ، نظر فيها فوجدها ترخيص لبناء فندق حلال 
شمس : فندق حلال ، لا أفهم شيئا  ,  ما معنى فندق حلال
ميشال : دفعت 1500 يورو للحصول على هذا التصريح لبناء فندق حلال ، هل تذكر الويسكي و الفودكا الحلال 
شمس : أكيد مشروبنا المفضل الآن
ميشال : الفندق الحلال لن يقدم إلا مشروبات حلال ، ولن يسمح بمنح غرفة لنزيل مع صديقته , فيجب أن تكون زوجته ، وعندما يدخل النزيل المسلم إلى الغرفة سيجد مصحفا وسجادة صلاة ومسبحة , وخريطة تدله على اتجاه القبلة ، أيضا سنستبدل صالة " الديسكو " بقاعة للموسيقى العربية ، مثل أغنيات " أم كلثوم " التي يعشقها العرب بل اليهود والغرب ، ورقص " التنورة " الذي يبهرنا نحن الأوروبيين ، لكن الأهم من ذلك كله هو حلمي "متحف المصريات " 
ضحك " شمس " وقال له : إذن سنوجه دعوة للسفارة المصرية في الافتتاح
ميشال : نعم ، لكن دون وجود آثار مسروقة ، سيكون مدخل المتحف في مبنى مجاور للفندق فمساحة الأرض كبيرة جداً ، وستكون الواجهة على شكل معبد أبو سمبل ، سنقوم أيضاً بإنشاء مطعم عائم ، باخرة على شكل مركب فرعوني تتجول في " نهر شيلد " ، حيث سيكون الفندق ، فهو على ضفة النهر ، وهذا الرسم لقطعة الأرض التي اشتريناها بالفعل .
شمس : أنه حلم رائع وجميل ، لكن فكرة فندق حلال فكرة صعبة التطبيق هنا رغم مثاليتها
ميشال : على العكس تماماً ، فمن سيأتي لهذا الفندق سيعيش حياة الشرق بكل ما فيها ، ونحن كسكان " إنتويرب " مُلتزمين دينياً ومتحفظين أيضاً ، عكس أقاليم أخرى ، كما أن هذا الفندق سيجتذب مُسلمي أوروبا ، فمثلما تُقدمون الخمور في فنادقكم بمصر رغم أنكم لا تشربوها ، فنحن سنمنعها في الفندق رغم أننا نشربها، صدقني أنه مشروع ناجح جداً , وجذاب لمُحبي الحضارة الفرعونية والشرقية , والإسلامية أيضا ً، وقد اخترتك لتكون المدير التنفيذي لفندق " رمسيس " .
شمس : " رمسيس " ؟! ، معنى هذا أن موريس لن يعمل معنا ، أنت تعرف موقفه من هذا الاسم ، وهذا الملك
ميشال : العظيم ، أسمه الملك العظيم ، هكذا نُسميه نحن ، هو وعدد قليل من ملوك الفراعنة أطلق عليهم لقب العظيم ، أولاً لا يصح أن يترك جميعنا هكذا إدارة          " راديسون بلو " فجأة ، فقد رشحت موريس ليكون مديراً عاماً " راديسون بلو "، وتلقيت الموافقة منذ قليل ، ثانياً الحضارة الفرعونية والإسلامية حضارتك أنت وليست حضارته هو  ، ثالثاً إن ارتباطي بك أقوى بكثير من ارتباطي به ، رغم الفترة الزمنية القليلة مقارنة بفترة عملي معه ، ولا أنكر أنه أفضل مدير مالي عملت معه 
شمس : شكراً لك محبتك لحضارتنا الفرعونية والإسلامية المظلومتان دائما
ميشال : لا تشكرني ، الشكر لك أنت و" لنور " فمنكما عرفت عظمة التاريخ الفرعوني ، وسماحة الإسلام ، والآن علينا العودة " راديسون بلو " لنأخذ حقائبنا وننتقل إلى مسكننا الجديد لمباشرة أعمالنا في المشروع الجديد
شمس : وأين المسكن الجديد
ميشال : اشتريت منزلين متجاورين ، وسيكونان ثلاثة قريباً جداً ، فلم أنس عمل فرع لسلسة مطاعم المحروسة التي يملكها  " نور " بمصر ، لتقدم الأكلات المصرية بالفندق ، فقد أحببت كثيراً الأطعمة التي تناولتها في مطعم " نور " ، وبهذا أضمن وجود ه معنا من آن لآخر .
شمس : أنت رائع ومخلص " ميشال "
عادا سويا  إلى الفندق ، وطلب " ميشال " من " موريس " الحضور إلى مكتبه ، وكان " شمس "  موجوداً في مكتب " ميشال "
ميشال : " موريس " تعلم أنني سافرت لاستلام التركة ، لكن أعمال عمي التجارية لا تناسبني ، فقررت استثمار تلك الأموال في بناء فندق كبير ، لعلها بداية لسلسلة فنادق عالمية ، وبالفعل حصلت على تصريح فندق حلال لجذب السياحة العربية والإسلامية ، وقد اخترت " شمس " ليكون المدير التنفيذي لفندق " رمسيس " .
موريس : " رمسيس " ؟! إذن أنتما لا تريداني معكما طالما أنه " رمسيس "
ميشال : لقد ادخرتك لعمل أكبر وأهم ، فأنت الآن المدير العام " لراديسون بلو "، لقد تلقيت الموافقة منذ قليل .
موريس : اتفقتما دون علمي ، وأصبحت أنا الغريب ، أنا العدو ، أنا من لا مكان له في عالمكما ، بعدما كنا صديقان لا يفترقان أنا وأنت ، أصبحت أنا الغريب الآن بفضل وجود " شمس "
نظر " موريس " إلى " شمس " والغضب يتطاير شرراً من عينيه ، فلأول مرة تظهر مشاعر " موريس " الحقيقية ، لأول مره يُكشر عن أنيابه ويطلق عنان لسانه ليبوح بما في صدره تجاه"  شمس " والمصريين , بل تجاه العرب والغرب والعالم كله .
موريس : تباً لكم عندما تفكرون ، وتباً لكم عندما تقرءون وتتعلمون ، وتباً لكم عندما تعملون ، تجعلوننا خارج حسابات هذا العالم ، لذلك نُصدر لكم كل ما يشغلكم عن التفكير ، حتى وإن كانت " المزرعة السعيدة " ، لكي نبني مجد اليهود ، نعم هو خطأي أنا عندما جعلتك صديقاً لنا ، جعلت لك مكاناً في  " راديسون بلو "، لم أُدبر لك المكائد ، لم أحطم أحلامك ، لم أهدم عملك ، ففعلتها أنت معي ، أنتم لا أمان لكم ، وأنت " ميشال "، حبكم لنا زائف ,  ما أسرع زواله عندما تجدون البديل .
شمس : أي مجد الذي يُبنى بتحطيم الآخر وإفساده ، أي مجد ، الأمجاد والحضارات تُبنى على القيم والفضائل ، لا على المكائد ، فأي مجد تكون أحد أدواته " المزرعة السعيدة " ، والمواقع الإباحية التي يدشنها الموساد الإسرائيلي ، وتجارة الرقيق الأبيض التي تديرونها عبر العالم ، والمخدرات ، والسلاح ، أي مجد الذي تتحدث عنه
موريس : مجد دولتنا إسرائيل 

شمس : أي دولة هذه ، ما هي إلا قطعة أرض مُغتصبة بوعد ظالم ، أعلنتم به قيام دولتكم ، وأطلقتم العنان لرصاصاتكم ومجنزراتكم ، تُبيدون وتستحلون دماء وأعراض أصحاب الأرض الحقيقيين ، الأرض أرضنا ، أرض فلسطين العربية .
موريس : هذا كل ما تستطيعون فعله ، تشجبون وتستنكرون ، يوماً أو يومين  ، ثم تعودون للعبة " المزرعة السعيدة "، وإن مللتم منها ارتدتم تلك المواقع التي تقول عنها أنها تُدار من قِبل الموساد ، أليست الحرب خدعة كما تقولون ، ونحن لم نُجبر أحدا على شيء ، بل أنتم المتعطشون للمزرعة السعيدة ، والحسناوات ، والمخدرات ، والمجون ، والسلاح الذي تُبيدون به بعضكم البعض ، فنستريح نحن ونستطيع العيش في أمان لنبنى حضارتنا وأمجادنا .
شمس : تعترف أنكم تدمروننا وتقول على سياسة التدمير حضارة ، ثم تتهمننا نحن أننا لا أمان لنا وأننا خطر يُهدد العالم بأسره ، فأي منطق هذا 
موريس : منطق الثأر ، واستعادة الحقوق ، بالأمس شيدنا لكم الأهرامات بالسُخرة ، استعبدتم اليهود ، ثم شردتموهم وأخرجتم موسى واليهود من مصر ، وهتلر أحرق اليهود ، وعبد الناصر طردهم وأمم أموالهم ، أقسمنا أن نستعيد حقوقنا ، ونبنى دولتنا ، وسنبنيها بكل وسيلة ، وبكل الأسلحة الشريفة والقذرة سنبنيها ، وإن كان على أشلاء الأعداء مثلما شردنا العالم وأحرقنا .
شمس : لا فائدة من الجدال والنقاش ، لا فائدة من إقناعك بكل الحجج التاريخية ، إن أغلب ما تؤمنون به هو افتراءات من نسج الخيال ، فلم يثبت أنكم بناة الأهرام ، ولا أُنكر أن فرعون طرد اليهود من مصر ، وعبد الناصر لم يطرد اليهود ، ولازال منهم من يعيش آمنا حُرا طليقا عاشقا لتراب مصر ، رفض مغادرتها ، وأي مجد لا يبنى على القيم لا بقاء له .
موريس : كلام الضعفاء ، وسنثبت للتاريخ أن مجد اليهود هو الباقي 
شمس : لن أُطيل الجدال معك ، لكن سأقول لك شيئاً واحداً   إذا أرادت الذئاب أن تحيا فلتتصارع السباع ,  سأكررها لك   إذا أرادت الذئاب أن تحيا فلتتصارع السباع   وهكذا تحيون الآن تجعلوننا نتصارع ، لكن أعلم أن أي حرب لابد لها من مُنتصر وسوف تفيق السباع يوماً , وقتها لن تجعل للذئاب مكاناً عندما تدرك حقيقة الخديعة ، وهكذا أردتم أن تكون نهايتكم .
موريس : نحن شعب الله المختار ، فلن تكون لنا نهاية بل نهايتكم أنتم
شمس : وهذه هي المشكلة تخيلتم أنكم وحدكم من تعرفون حقيقة الرب ، تخيلتم أن الله لم يهد أحدا غيركم ، وأنه اصطفاكم على سائر البشر ، عصيتم ، تمردتم ، قتلتم الأنبياء بغير حق ، فكتب الله عليكم الشتات في الأرض ، ليعذبكم بذنوبكم ، والحقيقة أن الأرض جاءها من يعرف حقيقة الرب أكثر منكم ، فكان أكثر منكم خشوعاً وإيماناً وطاعة ، ولا زلتم تتخيلون أنكم المؤمنين الوحيدين على هذا الكوكب ، النهاية ليست نهايتكم فقط ، بل نهاية كل إنسان يتخيل أن الله لم يهد أحدا غيره ، فيعيث في الأرض فساداً ، يقتل ، ويسفك الدماء ، ويقسم الناس إلى مؤمنين وكفار ، ويحاسب البشر وكأنه الله ، يملك مفاتيح الجنة والنار ، منهجكم واحد وإن اختلفت العبارات والمسميات ، انتهى النقاش ، وهذا فراق بيننا إلى الأبد .
ميشال : مع الأسف " موريس " ، أنت لم تحسن الظن بنا ، لقد عرف " شمس " هذا الأمر منذ ستين دقيقة فقط ، فلم أرتب معه شيئا ، لقد كان الأمر مفاجأة لم يتوقعها ، والأمر كله كان حلما أحلمه منذ سنوات ، والآن جاءتني الفرصة لتحقيقه ، بل إن " شمس" نبهني أن اسم " رمسيس " سيغضبك ، لكن ليس من الشرف المهني ترك  " راديسون بلو " عرضة للانهيار فجأة ، و" شمس " لن يكون على قدر إلمامك بالعمل في  " راديسون بلو "، كنت أتمنى أن نظل صديقين إلى الأبد ، لكنك قضيت على هذه الصداقة بشكك وسوء ظنك ، كما أتمنى لك التوفيق في عملك الجديد .
مضى عامان و" شمس " يعمل مع " موريس " بكل طاقته في الإشراف على بناء     " فندق رمسيس " ، و " متحف المصريات " ، و " مركب الشمس "  ، حتى أصبح الفندق تحفة معمارية تجمع بين الطابع الفرعوني والإسلامي ، فكان كل ركن فيه كأنه مُعبر عن حُقبة تاريخية من تاريخ مصر ، فبدا المدخل وكأنه أحد المعابد المصرية ، بينما الغرف بعضها يحمل الطراز الفرعوني والبعض الآخر يحمل الطابع الإسلامي , وبه شرفات المشربية ، أما المقهى , فبدا وكأنه سبيل السيدة نفيسة ، والبازار كأنه شارع المعز ، والمتحف مُصمم ليكون نموذجا مُصغرا من معبد أبو سمبل ، عامان من العمل والجهد والمشقة ، حتى أصبح " فندق رمسيس " أسطورة تتحدث عنها " إنتويرب " بل بلجيكا كلها ، وانهالت عروض الحجز على الفندق حتى قبل الانتهاء من التجهيزات النهائية قبل الافتتاح كمؤشر ينذر بنجاح العمل وبدايته القوية .
وفي بداية شهر إبريل 2014، حضر " ميشال " إلى الفندق متأخراً عن موعده ، يحمل في يده تذكرتين سفر إلى القاهرة ، فقدم واحدة " لشمس " فما أن رآها حتى طار فرحا ً، أخيراً سيزور مصر بعد تلك السنوات ، أخيراً سيرى عائلته وصديقه " نور " ، ويسير في شوارع القاهرة ، ويزور آثارها التي انقطع عنها سنوات ، كانت تلك التذكرة أعظم هدية أُهديت له في حياته ، لكن كانت المفاجأة عندما أخبره          " ميشال " أنه لن يُسافر وحده , بل هي رحلة استجمام لهما قبل بدء الافتتاح ، لتجمع الثلاث أصدقاء معاً ، في مصر " نور وشمس وميشال "، قبل بدء رحلة العمل الشاق في  " فندق رمسيس "  .

وعلى " مقهى رمسيس "بالقاهرة جلس " شمس ونور " ومعهما " ميشال "، يشربون أكواب الشاي بالنعناع ، كانت الساعة تشير إلى الخامسة عصراً ، الموعد المُعتاد للقاء " شمس ونور " بهذا المقهى كعادتهما قديماً قبل السفر إلى بلجيكا ، كان الثلاثة يتبادلون الحديث ، وفجأة قطع حديثهم ارتفاع صوت التلفزيون الذي يبث نشرة أخبار الخامسة ، التي يُلقيها التليفزيون المصري يقول : أهلا بحضراتكم وإليكم نشرة أخبار الخامسة ، ليوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر إبريل  2014، ونبدأ بأهم الأنباء ، أعلن وزير الآثار المصري عن استعادة مصر عددا من القطع الأثرية المصرية ، جميعها من مسروقات المتحف المصري ، حيث تم استعادة بعضها من مصر ، والبعض الأخر من بلجيكا ، حيث شوهدت في إحدى صالات المزادات ، وتم العمل على إعادتها إلى مصر ، ولازال العمل جار على استعادة بعض القطع من ألمانيا , والولايات المتحدة الأمريكية ، وسيتم الإعلان عنها في الأيام المقبلة
شعر " شمس " بسعادة بالغة ، فلا زالت رحلة البحث عن الآثار المنهوبة لم تتوقف ، كما شعر " ميشال " بالفخر لتعاون بلجيكا المُستمر لإعادة التراث إلى أصحابه . 
كانت مصر تستعد لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أقل من شهر لتبدأ مرحلة جديدة مع رئيس التف حوله الغالبية العظمى من المصريين ، لذا كانت نفس " شمس " تُحدثه بالبقاء في مصر ، فأطلق العنان للسانه ليبوح بما في نفسه   " لميشال ونور"  
شمس : حاسس برغبة في البقاء في مصر، أعتقد المرحلة القادمة هـ تكون مختلفة والسياحة هـ تنتعش مرة تانية
نور : مش بالسرعة دى يا " شمس " ، لسه قدامنا كثير لغاية الأمور ما تستقر في مصر أحنا مش عارفين الأيام مخبيه إيه ، خصوصاً أن عملك مُرتبط بالإرشاد السياحي . 
ميشال : لي رأى مُختلف عنكما ، يتلخص في الهدف الذي أنشئ من اجله فندق رمسيس ، لقد نسيتما الهدف
نور : وما الهدف " ميشال " 
ميشال : تغيير الصورة السلبية للغرب عن العرب والمسلمين ، وتعريفهم بالتاريخ الفرعوني دون تحريف أو تزييف ، أم أنك نسيت الهدف يا شمس وسط مشاغل الحياة 
شمس : لا يمكن أن أنسى لكن شوقي لمصر يغلبني
ميشال : أعتقد أن مصر تحتاجك في الخارج أكثر ، مصر تحتاج الكثير من سفراء النوايا الحسنة ، ليست مصر فقط بل الإسلام أيضاً الذي لا يعرف الكثيرين حقيقته السمحة ، علينا أن نستكمل مسيرتنا ، ورسالتنا معاً  " نور  وشمس وميشال "  فبدونكما لن يكون هناك فندق رمسيس ، القضية قضيتكما وأنا آمنت بها فلا تتركاني وحدي ، ودافعوا عن حضارتكما ودينكما .
شمس : بالنسبة للحضارة الفرعونية فهي حقاً حضارتنا، أما الإسلام فهو ديني أنا وحدي لأن " نور " مسيحي 
أصابت الدهشة  " ميشال " ، دهشة وصلت لحد الصدمة فقال بصوت عال مُتعجبا : كيف ؟ لم يبدو عليك أنك مسيحي .
ضحك " نور " وقال : وكيف سيبدو علي أنني مسيحي، هل للمسيحيين أشكال مختلفة يعرفهم الناس بها
ميشال : لقد قلت لي قبل سفر " شمس " أن أضع له مُصحفا وسجادة صلاة ومسبحة في غرفته .
نور : " شمس " جاري وصديق عمري ، أعرف مدى تدينه , ومواظبته على الصلاة , وقراءة القرآن , فأردت ألا أُشعره بالغربة 
ميشال : إذن لماذا كنت ترفض أن تشرب معي الخمر , أو تذهب معي للملاهي الليلية ، أنت تفعل مثل " شمس "
ضحك " نور " وقال : فيه إيه يا عم " ميشال " واحد " شماس " وأبوه " قسيس " هتجرجره وراك في الملاهي الليلية , وتسقيه خمرة , عايز تفضحنا على آخر الزمن ، الناس تقول أبويا ب يربي ولاد الكنيسة , ومش عارف يربي ابنه ، ما تفهمه يا شمس
شمس : " ميشال "  صديقنا العزيز ، والد نور " قسيس"  , ونور " شماس " ، مسيحيين مُلتزمين لا يفعلون هذه الأشياء
أخذ " ميشال " يضرب المنضدة بيده , ويدب الأرض برجليه متندماً أن " نور " لم يخبره أنه مسيحي حتى لفت أنظار زبائن المقهى له 
ميشال : أوه .. أوه .. أوه ، أنا حزين ، حزين جداً لماذا لم تخبرني " نور " بهذا
نور : فيه إيه يا عم " ميشال " فرجت علينا القهوة مالك ، ماله يا " شمس " زعلان ليه إني مسيحي ؟ ، هو أسلم ولا إيه ، وبعدين ما انت صاحبي ومسلم ، إيه مشاكله مع المسيحيين مش فاهم
شمس : ميشال ما سبب حزنك ؟
ميشال : لقد صممت الفندق على الطراز الفرعوني والإسلامي فقط . وليس به أي طراز مسيحي
نور : بس كده خلاص ... خلاص هـ اعملك متحف مسيحي لما أسافر بلجيكا
ميشال : " شمس " أنت مسلم و " نور " مسيحي فما الفرق بينكما ؟
نور : الفرق انه أنا مسلم وهو مسيحي ، قصدي أنا مسيحي وهو مسلم ، واحد مسيحي والثاني مسلم
شمس : أي نوع من الاختلاف تقصد " ميشال " ؟
ميشال : تتصرفون بنفس الطريقة ، لكما نفس الخلق ، ترفضان الخمر ، والمجون ، لكما نفس العادات والتقاليد فما الفرق ؟
شمس : الفرق في العقيدة , له عقيدته ولى عقيدتي ، خلاف هذا لا يوجد فرق
ميشال : حقاً أنتما حالة فريدة ورائعة ،  فهل يوجد مثلكما في مصر ؟
نظر " نور"  إلى " شمس " باندهاش وأنفجر من الضحك , وقال له : ده تايه ده ولا إيه ؟
ثم نظر إلى " ميشال " وقال له : هي دى مصر يا " ميشال " ، إنت في مصر ، وهذه هي مصر مسلم ومسيحي الفارق بينهما تعرفه عندما يذهب المسلم للمسجد والمسيحي للكنيسة ، أما جوهر الإنسان واحد
شمس : " ميشال " صديقي , مسيحيو مصر مختلفين تماماً عن مسيحيي الغرب
ميشال : أوه، أنا سعيد ، سعيد جداً بكما لكنني حزين لعدم وجود تراث مسيحي بالفندق
عامل المقهى : فيه حاجة يا أستاذ نور ، لو الخواجة تعبان نوديه على المستشفى القبطي جنبنا ، أحنا ولاد بلد بردوا , ونحب نكرم ضيوفنا
نور : لا أبداً هو متأثر شوية بس من اللي بيحصل في البلد , خواجة بقا وقلبه ضعيف ، تسلم يا عماد يا أبو الشهامة 
ميشال : " نور "  ,  هذا وعد منك سنبنى متحفا مسيحيا
نور : أكيد سأبني لك متحفا عن رحلة العائلة المقدسة في مصر ، ثم قال                " لشمس "  :  كفاية كده وياللا نمشي من هنا قبل ما يقولوا إننا خاطفينه ، إنت السبب كان كويس قبل ما تعرفه
شمس : أنا سعيد ،  سعيد جدا ً، لأننا لن نفترق
نور : أوه  ,  أوه  , أوه ,  أنا حزين ،  حزين جداً لأن لدي أجن صديقين في العالم
ميشال : لماذا قمتما ، رائع جدا هذا المقهى الشعبي 
شمس : اسمه مقهى " رمسيس "
ميشال : أوه مقهى رمسيس ، لديكم في مصر مقهى رمسيس مثل فندق رمسيس
نور : مثل فندق رمسيس !!! أنت في مصر ولدينا مقهى رمسيس في شارع رمسيس ورمسيس بذات نفسه إذا أردت زيارته سيسعد كثيراً لزيارتك ,  قال زى فندق رمسيس قال هي دى أخرتها يا شمس هي بقت كده خلاص 

الفصل 5 - شارع رمسيس ج5


عاد " شمس وميشال " إلى عملهما ، وبعد أسبوع عزم " ميشال " على السفر إلى بروكسل مرة أخرى بناء على طلب محامي العم ، لكن هذه المرة لم يطلب             " شمس " منه مرافقته في سفره ، بل تمنى له فقط رحلة موفقة والعودة بسلام .
وبعد عودته من السفر وعلى غير العادة اتصل " بشمس " وأبلغه بدعوته له على العشاء  - بعيداً عن فندق " راديسون بلو " -  في أحد المطاعم المُطلة على نهر              " شيلد " حيث تقع " إنتويرب " على الضفة اليُمنى من النهر، حضر لمقابلة               " شمس " وهو يحمل بيديه رسما هندسيا ، وتبدو على ملامحه سعادة بالغة .
ميشال : افتقدتك كثيراً صديقي العزيز، لكنها المرة الأخيرة التي سأفارقك فيها لأننا سنظل سوياً طوال العمر
شمس : وأنا أيضا افتقدتك ، يبدو أنها كانت رحلة موفقة
ميشال : نعم ، موفقه جداً ، انظر لهذا الرسم الهندسي ، إنه سبب سعادتي ، سافرت إلى بروكسل لمقابلة محامي عمي لإنهاء إجراءات استلام التركة ، وهى مليارات، لكن أعمال عمى التجارية لا تروق لي ، ولا أفهمها كثيرا ً، أنا أحب السياحة ، لذلك سأقوم بتصفية الكثير منها ، وبيعها بالمزاد العلني ، واستغلال الأموال في مشروع كبير جداً ستشاركني فيه العمل ، وقد بدأت فعلا في إجراءاته 
أخرج " ميشال " من جيبه ورقة وأعطاها " لشمس "، وقال له اقرأ هذه ، نظر فيها فوجدها ترخيص لبناء فندق حلال 
شمس : فندق حلال ، لا أفهم شيئا  ,  ما معنى فندق حلال
ميشال : دفعت 1500 يورو للحصول على هذا التصريح لبناء فندق حلال ، هل تذكر الويسكي و الفودكا الحلال 
شمس : أكيد مشروبنا المفضل الآن
ميشال : الفندق الحلال لن يقدم إلا مشروبات حلال ، ولن يسمح بمنح غرفة لنزيل مع صديقته , فيجب أن تكون زوجته ، وعندما يدخل النزيل المسلم إلى الغرفة سيجد مصحفا وسجادة صلاة ومسبحة , وخريطة تدله على اتجاه القبلة ، أيضا سنستبدل صالة " الديسكو " بقاعة للموسيقى العربية ، مثل أغنيات " أم كلثوم " التي يعشقها العرب بل اليهود والغرب ، ورقص " التنورة " الذي يبهرنا نحن الأوروبيين ، لكن الأهم من ذلك كله هو حلمي "متحف المصريات " 
ضحك " شمس " وقال له : إذن سنوجه دعوة للسفارة المصرية في الافتتاح
ميشال : نعم ، لكن دون وجود آثار مسروقة ، سيكون مدخل المتحف في مبنى مجاور للفندق فمساحة الأرض كبيرة جداً ، وستكون الواجهة على شكل معبد أبو سمبل ، سنقوم أيضاً بإنشاء مطعم عائم ، باخرة على شكل مركب فرعوني تتجول في " نهر شيلد " ، حيث سيكون الفندق ، فهو على ضفة النهر ، وهذا الرسم لقطعة الأرض التي اشتريناها بالفعل .
شمس : أنه حلم رائع وجميل ، لكن فكرة فندق حلال فكرة صعبة التطبيق هنا رغم مثاليتها
ميشال : على العكس تماماً ، فمن سيأتي لهذا الفندق سيعيش حياة الشرق بكل ما فيها ، ونحن كسكان " إنتويرب " مُلتزمين دينياً ومتحفظين أيضاً ، عكس أقاليم أخرى ، كما أن هذا الفندق سيجتذب مُسلمي أوروبا ، فمثلما تُقدمون الخمور في فنادقكم بمصر رغم أنكم لا تشربوها ، فنحن سنمنعها في الفندق رغم أننا نشربها، صدقني أنه مشروع ناجح جداً , وجذاب لمُحبي الحضارة الفرعونية والشرقية , والإسلامية أيضا ً، وقد اخترتك لتكون المدير التنفيذي لفندق " رمسيس " .
شمس : " رمسيس " ؟! ، معنى هذا أن موريس لن يعمل معنا ، أنت تعرف موقفه من هذا الاسم ، وهذا الملك
ميشال : العظيم ، أسمه الملك العظيم ، هكذا نُسميه نحن ، هو وعدد قليل من ملوك الفراعنة أطلق عليهم لقب العظيم ، أولاً لا يصح أن يترك جميعنا هكذا إدارة          " راديسون بلو " فجأة ، فقد رشحت موريس ليكون مديراً عاماً " راديسون بلو "، وتلقيت الموافقة منذ قليل ، ثانياً الحضارة الفرعونية والإسلامية حضارتك أنت وليست حضارته هو  ، ثالثاً إن ارتباطي بك أقوى بكثير من ارتباطي به ، رغم الفترة الزمنية القليلة مقارنة بفترة عملي معه ، ولا أنكر أنه أفضل مدير مالي عملت معه 
شمس : شكراً لك محبتك لحضارتنا الفرعونية والإسلامية المظلومتان دائما
ميشال : لا تشكرني ، الشكر لك أنت و" لنور " فمنكما عرفت عظمة التاريخ الفرعوني ، وسماحة الإسلام ، والآن علينا العودة " راديسون بلو " لنأخذ حقائبنا وننتقل إلى مسكننا الجديد لمباشرة أعمالنا في المشروع الجديد
شمس : وأين المسكن الجديد
ميشال : اشتريت منزلين متجاورين ، وسيكونان ثلاثة قريباً جداً ، فلم أنس عمل فرع لسلسة مطاعم المحروسة التي يملكها  " نور " بمصر ، لتقدم الأكلات المصرية بالفندق ، فقد أحببت كثيراً الأطعمة التي تناولتها في مطعم " نور " ، وبهذا أضمن وجود ه معنا من آن لآخر .
شمس : أنت رائع ومخلص " ميشال "
عادا سويا  إلى الفندق ، وطلب " ميشال " من " موريس " الحضور إلى مكتبه ، وكان " شمس "  موجوداً في مكتب " ميشال "
ميشال : " موريس " تعلم أنني سافرت لاستلام التركة ، لكن أعمال عمي التجارية لا تناسبني ، فقررت استثمار تلك الأموال في بناء فندق كبير ، لعلها بداية لسلسلة فنادق عالمية ، وبالفعل حصلت على تصريح فندق حلال لجذب السياحة العربية والإسلامية ، وقد اخترت " شمس " ليكون المدير التنفيذي لفندق " رمسيس " .
موريس : " رمسيس " ؟! إذن أنتما لا تريداني معكما طالما أنه " رمسيس "
ميشال : لقد ادخرتك لعمل أكبر وأهم ، فأنت الآن المدير العام " لراديسون بلو "، لقد تلقيت الموافقة منذ قليل .
موريس : اتفقتما دون علمي ، وأصبحت أنا الغريب ، أنا العدو ، أنا من لا مكان له في عالمكما ، بعدما كنا صديقان لا يفترقان أنا وأنت ، أصبحت أنا الغريب الآن بفضل وجود " شمس "
نظر " موريس " إلى " شمس " والغضب يتطاير شرراً من عينيه ، فلأول مرة تظهر مشاعر " موريس " الحقيقية ، لأول مره يُكشر عن أنيابه ويطلق عنان لسانه ليبوح بما في صدره تجاه"  شمس " والمصريين , بل تجاه العرب والغرب والعالم كله .
موريس : تباً لكم عندما تفكرون ، وتباً لكم عندما تقرءون وتتعلمون ، وتباً لكم عندما تعملون ، تجعلوننا خارج حسابات هذا العالم ، لذلك نُصدر لكم كل ما يشغلكم عن التفكير ، حتى وإن كانت " المزرعة السعيدة " ، لكي نبني مجد اليهود ، نعم هو خطأي أنا عندما جعلتك صديقاً لنا ، جعلت لك مكاناً في  " راديسون بلو "، لم أُدبر لك المكائد ، لم أحطم أحلامك ، لم أهدم عملك ، ففعلتها أنت معي ، أنتم لا أمان لكم ، وأنت " ميشال "، حبكم لنا زائف ,  ما أسرع زواله عندما تجدون البديل .
شمس : أي مجد الذي يُبنى بتحطيم الآخر وإفساده ، أي مجد ، الأمجاد والحضارات تُبنى على القيم والفضائل ، لا على المكائد ، فأي مجد تكون أحد أدواته " المزرعة السعيدة " ، والمواقع الإباحية التي يدشنها الموساد الإسرائيلي ، وتجارة الرقيق الأبيض التي تديرونها عبر العالم ، والمخدرات ، والسلاح ، أي مجد الذي تتحدث عنه
موريس : مجد دولتنا إسرائيل 

شمس : أي دولة هذه ، ما هي إلا قطعة أرض مُغتصبة بوعد ظالم ، أعلنتم به قيام دولتكم ، وأطلقتم العنان لرصاصاتكم ومجنزراتكم ، تُبيدون وتستحلون دماء وأعراض أصحاب الأرض الحقيقيين ، الأرض أرضنا ، أرض فلسطين العربية .
موريس : هذا كل ما تستطيعون فعله ، تشجبون وتستنكرون ، يوماً أو يومين  ، ثم تعودون للعبة " المزرعة السعيدة "، وإن مللتم منها ارتدتم تلك المواقع التي تقول عنها أنها تُدار من قِبل الموساد ، أليست الحرب خدعة كما تقولون ، ونحن لم نُجبر أحدا على شيء ، بل أنتم المتعطشون للمزرعة السعيدة ، والحسناوات ، والمخدرات ، والمجون ، والسلاح الذي تُبيدون به بعضكم البعض ، فنستريح نحن ونستطيع العيش في أمان لنبنى حضارتنا وأمجادنا .
شمس : تعترف أنكم تدمروننا وتقول على سياسة التدمير حضارة ، ثم تتهمننا نحن أننا لا أمان لنا وأننا خطر يُهدد العالم بأسره ، فأي منطق هذا 
موريس : منطق الثأر ، واستعادة الحقوق ، بالأمس شيدنا لكم الأهرامات بالسُخرة ، استعبدتم اليهود ، ثم شردتموهم وأخرجتم موسى واليهود من مصر ، وهتلر أحرق اليهود ، وعبد الناصر طردهم وأمم أموالهم ، أقسمنا أن نستعيد حقوقنا ، ونبنى دولتنا ، وسنبنيها بكل وسيلة ، وبكل الأسلحة الشريفة والقذرة سنبنيها ، وإن كان على أشلاء الأعداء مثلما شردنا العالم وأحرقنا .
شمس : لا فائدة من الجدال والنقاش ، لا فائدة من إقناعك بكل الحجج التاريخية ، إن أغلب ما تؤمنون به هو افتراءات من نسج الخيال ، فلم يثبت أنكم بناة الأهرام ، ولا أُنكر أن فرعون طرد اليهود من مصر ، وعبد الناصر لم يطرد اليهود ، ولازال منهم من يعيش آمنا حُرا طليقا عاشقا لتراب مصر ، رفض مغادرتها ، وأي مجد لا يبنى على القيم لا بقاء له .
موريس : كلام الضعفاء ، وسنثبت للتاريخ أن مجد اليهود هو الباقي 
شمس : لن أُطيل الجدال معك ، لكن سأقول لك شيئاً واحداً   إذا أرادت الذئاب أن تحيا فلتتصارع السباع ,  سأكررها لك   إذا أرادت الذئاب أن تحيا فلتتصارع السباع   وهكذا تحيون الآن تجعلوننا نتصارع ، لكن أعلم أن أي حرب لابد لها من مُنتصر وسوف تفيق السباع يوماً , وقتها لن تجعل للذئاب مكاناً عندما تدرك حقيقة الخديعة ، وهكذا أردتم أن تكون نهايتكم .
موريس : نحن شعب الله المختار ، فلن تكون لنا نهاية بل نهايتكم أنتم
شمس : وهذه هي المشكلة تخيلتم أنكم وحدكم من تعرفون حقيقة الرب ، تخيلتم أن الله لم يهد أحدا غيركم ، وأنه اصطفاكم على سائر البشر ، عصيتم ، تمردتم ، قتلتم الأنبياء بغير حق ، فكتب الله عليكم الشتات في الأرض ، ليعذبكم بذنوبكم ، والحقيقة أن الأرض جاءها من يعرف حقيقة الرب أكثر منكم ، فكان أكثر منكم خشوعاً وإيماناً وطاعة ، ولا زلتم تتخيلون أنكم المؤمنين الوحيدين على هذا الكوكب ، النهاية ليست نهايتكم فقط ، بل نهاية كل إنسان يتخيل أن الله لم يهد أحدا غيره ، فيعيث في الأرض فساداً ، يقتل ، ويسفك الدماء ، ويقسم الناس إلى مؤمنين وكفار ، ويحاسب البشر وكأنه الله ، يملك مفاتيح الجنة والنار ، منهجكم واحد وإن اختلفت العبارات والمسميات ، انتهى النقاش ، وهذا فراق بيننا إلى الأبد .
ميشال : مع الأسف " موريس " ، أنت لم تحسن الظن بنا ، لقد عرف " شمس " هذا الأمر منذ ستين دقيقة فقط ، فلم أرتب معه شيئا ، لقد كان الأمر مفاجأة لم يتوقعها ، والأمر كله كان حلما أحلمه منذ سنوات ، والآن جاءتني الفرصة لتحقيقه ، بل إن " شمس" نبهني أن اسم " رمسيس " سيغضبك ، لكن ليس من الشرف المهني ترك  " راديسون بلو " عرضة للانهيار فجأة ، و" شمس " لن يكون على قدر إلمامك بالعمل في  " راديسون بلو "، كنت أتمنى أن نظل صديقين إلى الأبد ، لكنك قضيت على هذه الصداقة بشكك وسوء ظنك ، كما أتمنى لك التوفيق في عملك الجديد .
مضى عامان و" شمس " يعمل مع " موريس " بكل طاقته في الإشراف على بناء     " فندق رمسيس " ، و " متحف المصريات " ، و " مركب الشمس "  ، حتى أصبح الفندق تحفة معمارية تجمع بين الطابع الفرعوني والإسلامي ، فكان كل ركن فيه كأنه مُعبر عن حُقبة تاريخية من تاريخ مصر ، فبدا المدخل وكأنه أحد المعابد المصرية ، بينما الغرف بعضها يحمل الطراز الفرعوني والبعض الآخر يحمل الطابع الإسلامي , وبه شرفات المشربية ، أما المقهى , فبدا وكأنه سبيل السيدة نفيسة ، والبازار كأنه شارع المعز ، والمتحف مُصمم ليكون نموذجا مُصغرا من معبد أبو سمبل ، عامان من العمل والجهد والمشقة ، حتى أصبح " فندق رمسيس " أسطورة تتحدث عنها " إنتويرب " بل بلجيكا كلها ، وانهالت عروض الحجز على الفندق حتى قبل الانتهاء من التجهيزات النهائية قبل الافتتاح كمؤشر ينذر بنجاح العمل وبدايته القوية .
وفي بداية شهر إبريل 2014، حضر " ميشال " إلى الفندق متأخراً عن موعده ، يحمل في يده تذكرتين سفر إلى القاهرة ، فقدم واحدة " لشمس " فما أن رآها حتى طار فرحا ً، أخيراً سيزور مصر بعد تلك السنوات ، أخيراً سيرى عائلته وصديقه " نور " ، ويسير في شوارع القاهرة ، ويزور آثارها التي انقطع عنها سنوات ، كانت تلك التذكرة أعظم هدية أُهديت له في حياته ، لكن كانت المفاجأة عندما أخبره          " ميشال " أنه لن يُسافر وحده , بل هي رحلة استجمام لهما قبل بدء الافتتاح ، لتجمع الثلاث أصدقاء معاً ، في مصر " نور وشمس وميشال "، قبل بدء رحلة العمل الشاق في  " فندق رمسيس "  .

وعلى " مقهى رمسيس "بالقاهرة جلس " شمس ونور " ومعهما " ميشال "، يشربون أكواب الشاي بالنعناع ، كانت الساعة تشير إلى الخامسة عصراً ، الموعد المُعتاد للقاء " شمس ونور " بهذا المقهى كعادتهما قديماً قبل السفر إلى بلجيكا ، كان الثلاثة يتبادلون الحديث ، وفجأة قطع حديثهم ارتفاع صوت التلفزيون الذي يبث نشرة أخبار الخامسة ، التي يُلقيها التليفزيون المصري يقول : أهلا بحضراتكم وإليكم نشرة أخبار الخامسة ، ليوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر إبريل  2014، ونبدأ بأهم الأنباء ، أعلن وزير الآثار المصري عن استعادة مصر عددا من القطع الأثرية المصرية ، جميعها من مسروقات المتحف المصري ، حيث تم استعادة بعضها من مصر ، والبعض الأخر من بلجيكا ، حيث شوهدت في إحدى صالات المزادات ، وتم العمل على إعادتها إلى مصر ، ولازال العمل جار على استعادة بعض القطع من ألمانيا , والولايات المتحدة الأمريكية ، وسيتم الإعلان عنها في الأيام المقبلة
شعر " شمس " بسعادة بالغة ، فلا زالت رحلة البحث عن الآثار المنهوبة لم تتوقف ، كما شعر " ميشال " بالفخر لتعاون بلجيكا المُستمر لإعادة التراث إلى أصحابه . 
كانت مصر تستعد لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أقل من شهر لتبدأ مرحلة جديدة مع رئيس التف حوله الغالبية العظمى من المصريين ، لذا كانت نفس " شمس " تُحدثه بالبقاء في مصر ، فأطلق العنان للسانه ليبوح بما في نفسه   " لميشال ونور"  
شمس : حاسس برغبة في البقاء في مصر، أعتقد المرحلة القادمة هـ تكون مختلفة والسياحة هـ تنتعش مرة تانية
نور : مش بالسرعة دى يا " شمس " ، لسه قدامنا كثير لغاية الأمور ما تستقر في مصر أحنا مش عارفين الأيام مخبيه إيه ، خصوصاً أن عملك مُرتبط بالإرشاد السياحي . 
ميشال : لي رأى مُختلف عنكما ، يتلخص في الهدف الذي أنشئ من اجله فندق رمسيس ، لقد نسيتما الهدف
نور : وما الهدف " ميشال " 
ميشال : تغيير الصورة السلبية للغرب عن العرب والمسلمين ، وتعريفهم بالتاريخ الفرعوني دون تحريف أو تزييف ، أم أنك نسيت الهدف يا شمس وسط مشاغل الحياة 
شمس : لا يمكن أن أنسى لكن شوقي لمصر يغلبني
ميشال : أعتقد أن مصر تحتاجك في الخارج أكثر ، مصر تحتاج الكثير من سفراء النوايا الحسنة ، ليست مصر فقط بل الإسلام أيضاً الذي لا يعرف الكثيرين حقيقته السمحة ، علينا أن نستكمل مسيرتنا ، ورسالتنا معاً  " نور  وشمس وميشال "  فبدونكما لن يكون هناك فندق رمسيس ، القضية قضيتكما وأنا آمنت بها فلا تتركاني وحدي ، ودافعوا عن حضارتكما ودينكما .
شمس : بالنسبة للحضارة الفرعونية فهي حقاً حضارتنا، أما الإسلام فهو ديني أنا وحدي لأن " نور " مسيحي 
أصابت الدهشة  " ميشال " ، دهشة وصلت لحد الصدمة فقال بصوت عال مُتعجبا : كيف ؟ لم يبدو عليك أنك مسيحي .
ضحك " نور " وقال : وكيف سيبدو علي أنني مسيحي، هل للمسيحيين أشكال مختلفة يعرفهم الناس بها
ميشال : لقد قلت لي قبل سفر " شمس " أن أضع له مُصحفا وسجادة صلاة ومسبحة في غرفته .
نور : " شمس " جاري وصديق عمري ، أعرف مدى تدينه , ومواظبته على الصلاة , وقراءة القرآن , فأردت ألا أُشعره بالغربة 
ميشال : إذن لماذا كنت ترفض أن تشرب معي الخمر , أو تذهب معي للملاهي الليلية ، أنت تفعل مثل " شمس "
ضحك " نور " وقال : فيه إيه يا عم " ميشال " واحد " شماس " وأبوه " قسيس " هتجرجره وراك في الملاهي الليلية , وتسقيه خمرة , عايز تفضحنا على آخر الزمن ، الناس تقول أبويا ب يربي ولاد الكنيسة , ومش عارف يربي ابنه ، ما تفهمه يا شمس
شمس : " ميشال "  صديقنا العزيز ، والد نور " قسيس"  , ونور " شماس " ، مسيحيين مُلتزمين لا يفعلون هذه الأشياء
أخذ " ميشال " يضرب المنضدة بيده , ويدب الأرض برجليه متندماً أن " نور " لم يخبره أنه مسيحي حتى لفت أنظار زبائن المقهى له 
ميشال : أوه .. أوه .. أوه ، أنا حزين ، حزين جداً لماذا لم تخبرني " نور " بهذا
نور : فيه إيه يا عم " ميشال " فرجت علينا القهوة مالك ، ماله يا " شمس " زعلان ليه إني مسيحي ؟ ، هو أسلم ولا إيه ، وبعدين ما انت صاحبي ومسلم ، إيه مشاكله مع المسيحيين مش فاهم
شمس : ميشال ما سبب حزنك ؟
ميشال : لقد صممت الفندق على الطراز الفرعوني والإسلامي فقط . وليس به أي طراز مسيحي
نور : بس كده خلاص ... خلاص هـ اعملك متحف مسيحي لما أسافر بلجيكا
ميشال : " شمس " أنت مسلم و " نور " مسيحي فما الفرق بينكما ؟
نور : الفرق انه أنا مسلم وهو مسيحي ، قصدي أنا مسيحي وهو مسلم ، واحد مسيحي والثاني مسلم
شمس : أي نوع من الاختلاف تقصد " ميشال " ؟
ميشال : تتصرفون بنفس الطريقة ، لكما نفس الخلق ، ترفضان الخمر ، والمجون ، لكما نفس العادات والتقاليد فما الفرق ؟
شمس : الفرق في العقيدة , له عقيدته ولى عقيدتي ، خلاف هذا لا يوجد فرق
ميشال : حقاً أنتما حالة فريدة ورائعة ،  فهل يوجد مثلكما في مصر ؟
نظر " نور"  إلى " شمس " باندهاش وأنفجر من الضحك , وقال له : ده تايه ده ولا إيه ؟
ثم نظر إلى " ميشال " وقال له : هي دى مصر يا " ميشال " ، إنت في مصر ، وهذه هي مصر مسلم ومسيحي الفارق بينهما تعرفه عندما يذهب المسلم للمسجد والمسيحي للكنيسة ، أما جوهر الإنسان واحد
شمس : " ميشال " صديقي , مسيحيو مصر مختلفين تماماً عن مسيحيي الغرب
ميشال : أوه، أنا سعيد ، سعيد جداً بكما لكنني حزين لعدم وجود تراث مسيحي بالفندق
عامل المقهى : فيه حاجة يا أستاذ نور ، لو الخواجة تعبان نوديه على المستشفى القبطي جنبنا ، أحنا ولاد بلد بردوا , ونحب نكرم ضيوفنا
نور : لا أبداً هو متأثر شوية بس من اللي بيحصل في البلد , خواجة بقا وقلبه ضعيف ، تسلم يا عماد يا أبو الشهامة 
ميشال : " نور "  ,  هذا وعد منك سنبنى متحفا مسيحيا
نور : أكيد سأبني لك متحفا عن رحلة العائلة المقدسة في مصر ، ثم قال                " لشمس "  :  كفاية كده وياللا نمشي من هنا قبل ما يقولوا إننا خاطفينه ، إنت السبب كان كويس قبل ما تعرفه
شمس : أنا سعيد ،  سعيد جدا ً، لأننا لن نفترق
نور : أوه  ,  أوه  , أوه ,  أنا حزين ،  حزين جداً لأن لدي أجن صديقين في العالم
ميشال : لماذا قمتما ، رائع جدا هذا المقهى الشعبي 
شمس : اسمه مقهى " رمسيس "
ميشال : أوه مقهى رمسيس ، لديكم في مصر مقهى رمسيس مثل فندق رمسيس
نور : مثل فندق رمسيس !!! أنت في مصر ولدينا مقهى رمسيس في شارع رمسيس ورمسيس بذات نفسه إذا أردت زيارته سيسعد كثيراً لزيارتك ,  قال زى فندق رمسيس قال هي دى أخرتها يا شمس هي بقت كده خلاص 

على باب مصر للشاعر : كامل الشناوي





على باب مصر ، تدق الأكف ، ويعلو الضجيج
جبال تدور ، رياح تثور ، بحار تهيج 
وتصغي ! وتصغي ! !
فتسمع بين الضجيج سؤالا وأي سؤال !! وتسمع 
همهمة كالجواب ، وتسمع همهمة كالسؤال !! 
    أين ؟ ومن ؟ 
وكيف إذن ؟
نعم . . كيف أصبح هذا الجلال 
بأقصى مداه ! ؟ . . حقيقة شعب ٍ
غزاه الطغاة ، وأي طغاة؟
 ! . . أمعجزة مالها أنبياء ؟ ! . . أدورة أرض بغير فضاء ؟ ! 
****

وتمضى المواكب بالقادمين       من كل لون ٍ وكل مجال 
فمن عصر مينا إلى عصر عمرو ٍ     ومن عصر عمرو ٍ لعصر جمال 
وكل تساءل في لهفــــة ٍ : 
أين ؟ ومن ! ؟   وكيف إذن ! ؟
 . . أمعجزة ً مالها أنبياء ؟! . . أدورة أرض بغير فضاء ؟! 
****




وجاء الغزاة   . . جميع الغزاة
فأبدوا خشوعًا  وأحنوا الجباه
وكل تساءل في دهشة ٍ . . وكل تساءل في لهفة : 
أمعجزة مالهــــا أنبياء ؟ ! أدورة أرض ٍ بغير فضاء ؟ !
تلمح بين الجموع وجوهًا         يرف عليها حنـــان الإله
   . . ففيها المفكر والعبقري وفيها التقاة ؛ وفيها الهداة
..ف(موسى ) تشق عصاه الزحام 
وذلك (عيسى ) عليه السلام 
وهذا ( محمد) خير الأنام 
أمعجزة مالهـا أنبياء ؟ ! أدورة أرض ٍ بغير فضاء ؟ ! 

****
فأين تحقق مـــا كان وهمًا ومن ذا الذي يا ترى حققه ؟ ! 
وكيف تحــرر من أسره سجين الزمان ؟! ومن أطلقه ؟!
لقد شاد بالأمس أهرامه بأيدٍ مسخرة موثقـــة
على ظهره بصمات السياط .. وأحشاؤه بالطوى مرهقة !!
... وها هو يبنى بحريةٍ دعائم آماله المشرقة 
بسد منيع ، عجيب البناء يبث الرخاء ويوحي الثقة 
فأرزاق أبنـــائه حرة وآراؤهم حرة مطلقه 
وليس بهم سيد أو مسود فكل ســواء بلا تفرقه 
أمعجزه مالها أنبياء ؟!    أدورة ارض بغير فضاء ؟! 

***




وصاح من الشعب صوت طليق        قوى ، أبى ، عريق ، عميق   
يقول : أنا الشعب والمعجزة      أنا الشعب لا شيء قد أعجزه 
وكل الذي قـاله أنجزه !! 
فمن أرضي الحرة الصامدة   بنيت حضاراتنا الخالدة
. . بقوميتي واشتراكيتي . . ينبض العروبة في أمتي 

****
أنا الشعب ، شعب ذرى والقمم 
زرعت النخيل ، صنعت الهرم 
رفعت المآذن فوق القباب       بنيت المداخن تعل السحاب 
أنا الشعب لا أعرف المستحيلا    ولا أرتضى بـالخلود بـديلا 
بلادي مفتــوحة كالسماء 
تضم الصديق ؛ وتمحو الدخيلا 
انا الشعب ، شعب العلا والنضال        أحب السلام ، أخوض القتال 
ومنى الحقيقة .. منى الخيال  وعندي الجمال ، وعندي جمال


الفصل الخامس - ماريونت ج1




من كتاب يوميات في السيرك بقلم ناني محسن : الفصل الخامس - ماريونت ج1


كتبت في 17 فبراير 2015 بعد مقتل 21 مسيحي مصري على يد داعش في جريمة تعيد إلى الأذهان نفس طريقة الذبح البربرية بصبرا وشاتيلا ودير ياسين وكأن أداة الجريمة دائما تنم عن الفاعل الحقيقي الذي يمسك بيده خيوط اللعبة




استعد " شمس ونور " للسفر إلى بلجيكا مع " ميشال " ، كان " نور " ينوي بالفعل عمل مُتحف يروي رحلة العائلة المقدسة إلى مصر وهى رحلة يشتاق مسيحيو العالم للتعرف عليها ، لعلها تكون أسلوب دعاية جيدة ومشوقة لزيارة الأماكن الحقيقية لتلك الرحلة في مصر .
وقبل سفر " نور " اتصل بأقربائه للاطمئنان عليهم فبعضهم مقيم بالقاهرة والبعض الآخر بالمنيا وهي مسقط رأس جده ، نور من المُحبين لترابط الأسر والعائلات ، رغم ذلك فطبيعة الحياة بالقاهرة وكثرة مشاغلها كانت تباعد بينه وبين هذا الجو العائلي الدافئ , ولكن حانت اللحظة التي يكون فيها بعيداً بجسده أيضاً عن مصر كلها , لذلك قرر الاتصال بكل أقاربه وزيارة من استطاع زيارته منهم .
اتصل بعمه " بيشوي " وأبلغه بسفره وسأله عن أحواله وعن أحوال ابن عمه             " أبانوب "، الذي يعد من أحب أبناء أعمامه إلى قلبه ، فطمأنه عمه أنهم في أحسن حال , استشعر " نور " أن صوت عمه حزينا ، حاول أن يعرف ما سبب حزنه , لكن عمه أخبره أنه مصاب بنزلة برد وهو في أحسن حال ، لكن قلب " نور " لم يكن مُستريحا لهذا ، فسأل والده عن أحوال عمه فأخبره إن هذا الشعور ينتابه أيضا , ً ويشعر بالقلق تجاه أخيه , لكنه لا يقول شيئا ودائماً يؤكد أنه في أحسن حال ، لذا سيسافر إلى المنيا ليطمئن على أحواله بنفسه
وصل " نور وشمس وميشال " إلى " إنتويرب " وبدءوا في التجهيز لمتحف قبطي ,  يُجسد رحلة العائلة المقدسة إلى مصر ، وكانت تلك المرحلة آخر مراحل الإعداد قبل افتتاح الفندق , وبعد ستة أشهر تم الانتهاء من مبنى مجاور للمتحف على هيئة الكنيسة المعلقة بمصر القديمة ، داخل المبنى توجد قاعات بها ماكيتات لعدد من المزارات التي تمثل مسار رحلة العائلة المقدسة إلى مصر .
يتكون برنامج رحلة العائلة المقدسة إلى مصر من خمس وعشرين مسارا , تبدأ من الفرما إلى تل بسطة حتى مسطرد ، وصولاً إلى سخا ، ثم وادى النطرون الذي يحتوى على أربعة أديرة مهمة ، هي " دير الأنبا بيشوي " و " دير السيدة العذراء " "السريان"، و" دير البراموس "، و " دير القديس أبو مقار "، ويحتوي "دير الأنبا بيشوى " على ضريح " البابا شنودة " ، و " مائدة الرهبان " و " حصن الخباز ". 

ونستكمل المسيرة حتى نصل إلى المطرية بالقاهرة ، حيث توجد " شجرة مريم "، و" كنيسة السيدة العذراء " بالزيتون، و" كنيسة أبو سرجة " أقدم كنيسة في القاهرة ، وقد مكثت العائلة المقدسة بهذا المكان في رحلتي الذهاب والعودة، حيث يوجد موقع التعميد بالكنيسة والبئر الذي شربت منه العائلة المقدسة . 

ثم تتجه الرحلة إلى مجمع الأديان بالقاهرة ، ويشمل المجمع " الكنيسة المُعلقة "، و " مسجد عمرو بن العاص " أقدم مسجد بإفريقيا، و " المعبد اليهودي  بن عزرا ".

 ثم تتجه الرحلة بعد ذلك إلى " كنيسة المعادي " ، التي يوجد بها المذبح ، ثم إلى البهنسا ومنها إلى " كنيسة جبل الطير الأثرية  " والتي يوجد بها المغارة المقدسة. 

ثم يتجه المسار بعد ذلك إلى " دير المحرق بأسيوط " وبه أول كنيسة شيدت في مصر تحقيقاً للنبوءة الواردة في " سفر أشعيا "، حيث أقامت بهذا الموقع العائلة المقدسة فترة وصلت إلى ستة أشهر و عشرة أيام ، وهى أطول مدة ظلت فيها العائلة المقدسة بموقع واحد أثناء تنقلها ، لتتجه بعد ذلك إلى " دير جبل درنكة "، حيث أقامت به العائلة المقدسة في طريق العودة بعد أن تلقت رسالة بوفاة الملك " هيرودس " وإمكانية العودة ،  وبها مغارة بالجبل تضم مجموعة من الأيقونات. 







كانت الأماكن مُرتبطة بعدد من الأديرة ، تم عمل ماكيتات مُصغرة لها , فكان المُتحف مشوقاً لأي زائر ليقوم بزيارة فعلية لتلك الأماكن المُقدسة لدى مسيحيو العالم بجميع طوائفهم 

وبعد الانتهاء الكامل من كافة تجهيزات الفندق أعلن " ميشال " عن يوم الافتتاح الذي اختاره أن يكون ليلة رأس السنة 2015 ، كان الفندق مُكتمل العدد ، غير قادر على استيعاب الكم الهائل من عروض الحجز من العرب والأوروبيين ، فقد كانت فكرة فندق حلال والمتاحف المتنوعة تجربة فريدة وجاذبة لعدد من الجنسيات  خاصة  المُلتزمين منهم من المسلمين والمسيحيين . 

وجه " ميشال " الدعوة لحضور حفل الافتتاح إلى السفير المصري وأعضاء السفارة ، كما وجه الدعوة لعدد من الشخصيات البلجيكية البارزة ، وجميع مسئولي كبرى الفنادق البلجيكية ، وبحكم أخلاقيات وبروتوكول العمل تم توجيه الدعوة " لموريس شاؤول " بصفته المدير العام " لراديسون بلو " أهم وأكبر فنادق " إنتويروب " .
كان يوم الاحتفال محط أنظار مدينة  " إنتويروب " ، الفندق يبدو كما لو كان ماسة تتلألأ على ضفة " نهر شيلد "، المركب الفرعوني مُتزينة بالأنوار تجوب مياه النهر ، وفي تمام الساعة الثانية عشرة ومع أول لحظات عام 2015 انطلقت صواريخ عيد الميلاد من حديقة " فندق رمسيس " تُعلن بداية العام الجديد وقص شريط افتتاح الفندق ، والحقيقة أن الفندق كان وفق تعبير الحاضرين منتجع أثري سياحي من الطراز الأول ، تجربة فريدة قابلة للتطبيق في كل دول العالم ، مما دعا وزير السياحة البلجيكي لطرح فكرة إقامة مُنتجع مماثل في مصر يضم متاحف عن التراث البلجيكي لخلق نوع من التبادل الثقافي بين البلدين ، وقد لاقت تلك الفكرة تأييدا كبيرا من السفير المصري ، وأعرب ميشال عن رغبته الفعلية ليكون " رمسيس إنتويرب  " نواة لسلسلة مماثلة حول العالم .
وسط هذا الحوار وجد " ميشال  "يداً تمتد لمصافحته ، إنها يد " موريس " الذي حضر لتهنئته بافتتاح " فندق رمسيس " ،  بدت السعادة على وجهه لحضور صديقه القديم رغم اعتراضاته التي يعرفها حول اسم رمسيس ، وما يسببه هذا الاسم في نفسه من ضيق ، لكنه قدم مشاعر الصداقة على قناعته الدينية .
أخذ ميشال بيده , وتوجه به لمصافحة صديقاه وشريكا عمله " شمس ونور " ، كان " شمس " على قدر كبير من التسامح الذي ظهر في حفاوة استقباله " لموريس " حين قال له أهلاً بالصديق وابن العم ، وكأنه نسي ما مضى بينهما من خلاف ، كانت السعادة تبدوا على وجوه الجميع لدرجة جعلت , نور , يقول كلمة بالغة الصدق والتأثير عندما تسود روح المحبة والتسامح بين الناس مهما اختلفت جنسياتهم ومعتقداتهم .
نور : هل تعلمون أننا الآن نُمثل كل الأديان السماوية على وجه الأرض بداية من اليهودية ، والمسيحية بطوائفها  , وصولاً إلى الإسلام ، وهذه الروح التي نتعامل بها لو تعامل بها الجميع لعاش هذا الكوكب في سلام
شمس : معك حق , وجهة نظر ورؤية عظيمة من إنسان متسامح وخلوق
موريس : كلماتك تدعوا إلى الاحترام نور ،  حقاً أنت إنسان عظيم , ليت أصدقاءك مثلك
نظر الجميع بدهشة إلى " موريس " ،  من الواضح انه كان يقصد " شمس وميشال " ، لكنهما بالفعل أحسنا استقباله , وسعدا بوجوده، مما جعل " شمس " يصمت تماماً , لأنه يدرك أن طبيعته غلبته ، أما " ميشال " فقد سأله بصراحة هل حدث منا ما يدعوك للضيق .
موريس : " نور " يقول أننا الآن نُمثل كل الأديان ، والحقيقة أن هذا العمل الأثري الرائع يُمثل التراث الفرعوني والإسلامي والمسيحي , وكأن مصر لم يكن لليهود بها يوماً مكان .
نور : يبدوا أن السيد " موريس " لم يقرأ جيداً لوحة " الكنيسة المُعلقة " بالخارج التي كُتب عليها " مجمع الأديان " ولو نظرتم في محتويات القاعة المجاورة لنا ، والتي تضم ماكيتا واحدا فقط ، أنه ماكيت كبير لمجمع الأديان , والذي يشمل  " المعبد اليهودي ابن عذرا " و " الكنيسة المُعلقة " و " مسجد عمرو بن العاص " ، هكذا كانت مصر وستظل مهبط الأديان السماوية , ورمزاً للتدين البعيد عن التعصب ، ورمزاً للمحبة التي تجمع بين أبنائها بمختلف عقائدهم
موريس : نور أنت شخصية عظيمة ويبدوا أننا سنصبح صديقين 
نور : يشرفني سيد " موريس "
ذهب " شمس " لمرافقة الزائرين في جولتهم بالمتحف الفرعوني ، وأصطحب            " ميشال " كبار الزوار في جولة داخل الفندق ، بينما ظل " نور " بالمتحف المسيحي ومعه " موريس " يُظهر له كل مشاعر المحبة والود 
موريس : أنا معجب بشخصيتك يا  " نور " وواضح انك متدين جداً
نور : أنا " شماس"  ووالدي " قسيس " وجدي " مقدس " 
موريس : جميل طيب تحب تقدس ؟
نور : إزاى 
موريس : أنا مستعد أجبلك دعوة لزيارة " القدس " ، وسهل جداً إنك تسافر من بلجيكا ، أفتكر دي هـ تكون فرصة العمر بالنسبة لك قلت إيه ؟
نور : أكيد طبعاً فرصة العمر , بس أنا يوم ما اروح مش هـ  اروح لوحدي 
موريس : خلاص ممكن والدك يزورك هنا في بلجيكا ويسافر معاك للقدس
نور : أنا مش قصدي على والدي أنا ب اتكلم عن " شمس "، " البابا شنودة " قالها من زمان مش هـ ادخل القدس إلا وانا إيدي فى إيد شيخ الأزهر ، وأنا مش هـ اكون أحسن من " البابا شنودة " ، ويوم ما أدخل القدس هـ ادخلها مع " شمس "
موريس : معنى كده إنك مش هـ تروح " القدس " ، " شمس " مش ممكن يقبل انه يسافر هناك 
نور : ليه افترضت أنه شيء مستحيل ؟ ، حتى لو ما دخلناش القدس النهارده يمكن بكره أو بعده أولادنا أو أحفادنا يدخلوها ، وزي ما قال " السادات " القدس كل الأديان والا رأيك إيه " موريس " .
صمت " موريس " ولم يرد ، لكنه كان يتقطع غيظاً من كلمات " نور " وتمسكه " بشمس " وحبه له إلى هذه الدرجة ، بل مُندهش من الترابط الذي يجمع المسلم والمسيحي في مصر ، فهل كل ما يُثار عن الفتنة الطائفية مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة ، لكن لم يكتفي " نور " بهذا الرد ، فكانت الصدمة الكبرى " لموريس "  عندما تجمع " نور مع شمس وميشال وموريس " بمطعم المحروسة الذي يديره      " نور " لتناول العشاء بعد انتهاء مراسم الاحتفال 
نور : على فكرة يا " شمس " فيه دعوة من " موريس " لزيارة " القدس " علشان أروح أقدس هناك وأنا قلت مش هـ روح من غيرك
شمس : فكرتني بكلمة "  البابا شنودة  " لما اتوجهت له دعوة لزيارة القدس
نور : طبعاً، لسه قايلها " لموريس " " البابا شنودة " كان رمز لينا في التدين والوطنية 
موريس : جميل الحب والترابط بينكم ، لكن هذا لا ينفي وجود فتنة طائفية في مصر
نور : الفتنة الطائفية دي بالضبط زى الكائنات الفضائية ، كثير بيتكلموا عنهم ويعملوا عنهم أفلام ، لكن لما تدور عليهم في الواقع ما تلاقيش 
ميشال : لماذا تتحدثون بالعربية هل هو حوار خاص
نور : " ميشال " نحن نتحدث عن الفتنة الطائفية في مصر 
ميشال : كنت أتخيل هذا ، لكن الواقع أنني ظننت " نور " مسلما من فرط الترابط الشديد بينه وبين " شمس " ، حتى في تماثل العادات والتقاليد ، كأنهما أخوان وليسا صديقان ، اكتشفت أن مصر ليس بها فتن طائفية كما يُظهرها البعض
نور : هذا ما كنت أقوله بالعربية 
موريس : حسناً، لا أعلم متى سيتحقق حلمكما بزيارة " القدس " معاً ولكن كما تحبان
شعر " نور وشمس " أن " موريس " يحاول الصيد في  " الماء العكر " ويحاول إشعال النار في الهشيم معتقداً أن " نور " سيلهث وراء هذا العرض وتحدث الفُرقة والوقيعة بين الصديقين ، لكن من الواضح أن الاثنين مُركب واحد لا يستطيع أحد فصل عنصرية ، وأن الفتنة الطائفية ليست حاضرة على أرض الواقع
كان هذا الموقف كفيلا بابتعاد " موريس "  عنهما فما يشعر به تجاه " شمس " أصبح يشعره تجاه " نور" ، والغريب أنه دائماً يشعر بالنبذ والاضطهاد تجاه اليهود ، ولا يدرك أن تلك المواقف إنما هي نتاج أفعال اليهود أنفسهم ، التي يثيرون بها الفتن , وينشرون المُغالطات التاريخية , ويلوُون ذراع الحقائق

دارت عجلة العمل بالفندق منذ أول يوم له , وأصبح في مقدمة الفنادق البلجيكية ، بجهد الأصدقاء الثلاثة ، " نور " كان يُقسم وقته ما بين مطاعم المحروسة بمصر وفرعها في بلجيكا ، أما " شمس " استقر مع " ميشال " في بلجيكا , وتفرغا لإدارة رمسيس . 
ظل " شمس " في بلجيكا يتابع أخبار مصر التي تأخذه تارة إلى عنان السماء , وتارة إلى باطن الأرض ، ولم تختلف مشاعر ه كونه  البعيد عن أرض مصر عن مشاعر " نور " الذي يقضى نصف وقته في مصر , والنصف الأخر في بلجيكا ، وهكذا مشاعر الكثيرين ، فكم طارت قلوب جموع المصريين فرحاً في الخامس من أغسطس 2014 عندما أطلق الرئيس السيسي شرارة البدء في حفر قناة السويس ، وكم دمت قلوبهم مع كل تفجير ، وكل استهداف للجنود المصريين ، وكأن مصر كُتب عليها السواد والحداد الطويل ، ففي الوقت الذي يصرخ فيه العالم كله من الإرهاب ويتعاطف مع ضحاياه ، نجد رد فعله تجاه الإرهاب في مصر لا يزيد عن كونه سطرا في شريط إخباري ، لكن الإرهاب في 2015 أخذ طابعا جديدا ، طابعاً مرعباً فيما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" كان الجميع في أوروبا ينظر إلى هذا التنظيم على أنه تيار إسلامي مُتطرف ، أما " نور وشمس " وغيرهم من العرب فكانوا يتفقون على حقيقة واحدة , إنه تنظيم مُمول لتفتيت الدول العربية ، ليس له أي شأن بالإسلام والمسلمين ، وعندما يُثار الحديث عن       " داعش " كان " نور" يسبق " شمس " بالرد فيردد المقولة الشهيرة التي سمعها من البابا تواضروس " الأديان تتوافق ولا تتطابق "، بمعنى أن جوهر الأديان واحد ، لا يدعوا لشر ، وأن ما يحدث فعل شيطاني من بشر باعوا دينهم وإنسانيتهم  للشياطين ، بل أن ما يفعلوه يعجز عنه الشيطان نفسه .

مضى يومان على حفل الافتتاح وفي يوم الاثنين الثالث من يناير2015 وجد " نور "  اتصالا من والده " القسيس ملاك " وهو في غاية الحزن على غير العادة ، يسأله عن أي أخبار سمعها حول اختطاف أقباط مصريين في ليبيا ، لم يكن " نور " قد سمع أي أخبار بهذا الشأن ، حاول والده أن يطمئنه ويقول له إنها مجرد شائعات تتردد لكن القلق انتابه وشعر أن الأمر أكبر من ذلك بكثير .
نور : فيه إيه يا بابا  ؟ أنا قلقت فيه حد نعرفه اتخطف ؟ ، إحنا ما لناش حد في ليبيا ،  حد من أصحابك أو من شعب الكنيسة ؟
والد نور : الحقيقة يا ابني إنت عارف إني كل ما اكلم عمك ألاقي صوته مش عاجبني ، بعد ما سافرت قلت أزوره في البلد , حسيت إن مراته تعبانه وأحوالهم مش هي ، وكل ما اسأل يقولوا لي : إحنا بخير ، النهارده لقيت عمك بيتصل وبيبكي ، سألته فيه إيه ؟ قال لي بيحاول يتصل ب " أبانوب "  التليفون مُغلق ، حاول يطمن عليه من واحد زميله هناك قاله أنه مخطوف مع عشرين واحد قبطي من زمايله في ليبيا
نور : إيه اللي وداه هناك وهو عارف الظروف في ليبيا ؟ "  أبانوب  " طول عمره عاقل , وبعدين هو مش محتاج
والد نور : ما هو دا السر اللي أخويا خباه عليا ، من مدة مراة عمك تعبت ، عمك ما أتأخرش عن علاجها ، اكتشف إن عندها المرض الخبيث ، بيقول لي مراتي أمنتنى ما اقولش لحد إن عندها المرض الوحش ، قلت له : ليه هي فضيحة ؟! مصر كلها عندها المرض ده ، المهم عمك صرف اللي وراه واللي قدامه , وما بقاش حيلته حاجة , وطبعا الظروف المادية بقت صعبة , وانت عارف " بيشوي " أخويا وعزة نفسه هو وابنه ، اضطر " أبانوب " يدور على شغل , بعد ابوه ما باع الأرض ما لقاش غير إنه يسافر ليبيا
نور : ليبيا يا ابويا ، " أبانوب " يضحي بحياته ، وأنا عندي مطاعم في مصر وبلجيكا ، ما قاليش ليه ؟  أنا كنت هـ اطلبه علشان يشتغل معايا ويشيل عني الحمل شوية , استعجلت ليه يا " أبانوب "
والد نور : أومال لما تعرف أجره هناك 2000 جنيه ، " أبانوب " سافر للموت علشان 2000 جنيه 
نور : ليه هو يسافر علشان 2000 جنيه وانا عندي الخير ده كله وما اعرفش , إحنا السبب يا ابويا , كان لازم نضغط عليهم علشان نعرف مالهم , وكان لازم اقرب من " أبانوب ",  لكن انا اللي بعدت عنه
والد نور : يا ابني أنا أدرى منك ب اخويا وابنه ، مخ صعيدي ناشف , وكرامة ما لهاش حدود ، المهم دور عندك يمكن الجرايد عندكم تقول حاجة , أو تعرف حاجة مخبينها هنا
نور : أنا لازم انزل مصر دلوقتي
والد نور : غلط إنت هتيجي تعمل إيه غير الانتظار ، والانتظار وحش يا ابنى  , شوف حالك , يمكن تعرف عندك شيء إحنا ما نعرفوش 
حاول " نور " أن يعرف من الصحف والفضائيات أي أخبار عن المصريين المختطفين ، لكن كلها أنباء اختطاف " داعش " لثلاثة عشر من المصريين الأقباط وكان اسم " داعش " وحده كفيلا بإشعاره أنها بالفعل نهاية ابن عمه " أبانوب "  

مضى يومان ولا توجد أي أخبار جديدة ، و" نور " على اتصال دائم بوالده , لكن أخبار مصر لا تختلف عن أخبار بلجيكا ، وفى يوم الخامس من يناير2015 نشرت أحدى الصحف المصرية أن المختطفين واحد وعشرين مصريا ، وان السلطات المصرية تشكل خلية أزمة لمتابعة أحوال المصريين هناك ، وقتها تأكد " نور " من صدق ما قاله زميل " أبانوب " أنهم بالفعل واحد وعشرين مختطف وليسوا ثلاثة عشر كما ذُكر سابقاً ، لكن هذا نفسه كان تأكيداً لمخاوفه ، ولا أحد يعرف ما هو حال " أبانوب " وزملائه ، هل هم أحياء أم تم اغتيالهم ، أما والد " نور " فكان دائما يحثه على البقاء في بلجيكا , ومباشرة عمله , ومتابعة الصحف .

كانت الأيام تمضى ببطء , ومحاولات أهالي المختطفين لا تتوقف ، كذلك محاولات بعض أقاربهم من المُنتمين إلى بيت العائلة المصرية ، الجميع يبذل المساعي مع الدولة للوصول إلى أي خيط للخاطفين , ومحاولة التفاوض معهم من خلال مشايخ القبائل في ليبيا ، الذين كانوا يؤكدون دائما أنهم لازالوا على قيد الحياة .
وفي اليوم الخامس والعشرين من يناير 2015 تعلن " داعش " عن اختطاف طيار أردني وتطالب بالإفراج عن الإرهابية " ساجدة الريشاوي " في مقابل الإفراج عن الطيار ، كانت الإرهابية عراقية الجنسية ، زوجة أحد المنتمين لتنظيم القاعدة ، قامت بتفجير ثلاثة فنادق بعمان عام 2005 , منهم فندق " راديسون ساس " وهو واحد من سلسلة فنادق " راديسون الشهيرة "، محكوم عليها بالإعدام منذ عشر سنوات بعد إلقاء القبض عليها ومحاكمتها من السلطات الأردنية .
بات العالم كله يتابع تداعيات خطف الطيار الأردني " معاذ الكساسبة " ومعه رهينتين يابانيتين تم إعدام أحدهما , وبقي الآخر تُفاوض عليه " داعش " مع          " معاذ " لمبادلته بساجدة ، ثم منحت " داعش "  " الأردن " مُهلة لتسليم ساجدة ، وفي يوم الأربعاء 28 يناير2015 خرج وزير الدولة لشئون الإعلام الأردني يعلن قبول الأردن تسليم " ساجدة " بعد التأكد من إطلاق سراح الطيار  " معاذ " حتى انتهت المُهلة وهي غروب شمس الخميس 29 يناير2015 مما دعا إلى تظاهر المئات بمدينة " الكرك " وهى المدينة التي ينتمي لها " معاذ " بحكم مولده فيها .
كانت لحظات الانتظار مريرة على أسرة " معاذ " وأسر المصريين المختطفين أيضا ً، أما عن " معاذ " فكانت النهاية يوم 3 فبراير2015 عندما نشرت " داعش " فيديو بشعا لحرق " معاذ الكساسبة " ، بل يعلنون أيضا عن استدلالهم لتنفيذ حكم الحرق بأن " أبي بكر " و " خالد بن الوليد " قاما بحرق الناس أحياء ، مما دعا دار الإفتاء المصرية للرد الشرعي ببطلان تلك الروايات من ناحية السند ، وبما هو مذكور في البخاري نفسه أنهم أناس مُنكرون الحديث أي لا يؤخذ عنهم ، لكنه ذكر الرواية وشهادته ببطلانها فقط للتوثيق ، وفي اليوم التالي تم تنفيذ حكم الإعدام                " لساجدة الريشاوي  " انتقاماً  " لمعاذ  " . 

استقر في قلب " نور " وغيره من أهالي المصريين المُختطفين أن الأمل قد يكون ضعيفا جداً في نجاتهم من أناس لا تعرف دينا ولا رحمة ولا إنسانية ، أما المساعي فقد أصبحت جاهدة لتفادي المصير المشئوم الذي رأوه " لمعاذ  الكساسبة "، ساعات تمر كدهر من الخوف والترقب ، وشعور بالذنب يعتصر قلب وعقل نور ، كان بوسعه تغيير الواقع لو مد يد العون " لأبانوب " قبل سفره ، أما والده فكان دائم التثبيت له بأن مشيئة الله نافذة ولا يمكن تغييرها .
بدأ نور في البحث عن أي وسيلة للوصول لخيط واحد يعطيه الأمل ، كان يعلم أن " لميشال " دائرة علاقات كبيرة وهامة في أوروبا كلها , فناشده مساعدته للبحث عن أي معلومات للتفاوض مع " داعش "، وكان " ميشال "  مرحباً بتقديم أي مساعدة لإنقاذهم .
بذل " ميشال " عدة مساع مع مسئولين بلجيكيين وفرنسيين من العاملين في الخارجية ، لكن كانت إجابتهم أن إرهابيي ط داعش " يبدءون بالتفاوض على قضايا تبادل أسرى , ليس للتبادل الفعلي ولكن من باب حرب الأعصاب ، ثم ينتهي الأمر بإظهار فيديو التخلص منهم ، وهذا بحد ذاته يعنى أنهم قد لا يكونوا على قيد الحياة ، شعر " نور " بالألم وتردد كثيراً أن يذكر لوالده ما عرفه لكن ما جعله يبادر بإخباره هي معرفته بمدى تسليمه لقضاء الله وروحه الإيمانية المُرتفعة ، فكان رد والد " نور " أنها مشيئة الرب فقد تحمل المسيح الصلب والعذاب وهكذا علينا أن نتحمل كمسيحيين .
في يوم الخميس الثاني عشر من فبراير2015 تتناقل وسائل الإعلام نقلاُ عن مواقع  " داعش " صوراً للمصريين المُختطفين من بينهم " أبانوب " وهم يظهرون ببدلة الإعدام , وكل واحداً منهم يُمسك به داعشي ، أطوال قامة هؤلاء " الدواعش " تختلف عن أطوال المصريين ، يلبسون ثيابا سوداء، مُلثمين ، يرتدون ساعات رولكس أمريكية ، وخناجر أمريكية ماركة كولومبيا ، أما المصريين فيلبسون ملابس زي الإعدام البرتقالي الذي يشبه زى غوانتانامو .


الفصل الخامس ماريونت - ج2


من كتاب لستم أحفادي بقلم ناني محسن : الفصل الخامس ماريونت ج2

لم يكن كل هذا من قبيل المصادفة ، لكن من الواضح أنه عمل منظم سخي التمويل ، وأن هؤلاء السفاحين ليسوا مجموعة شباب دعتهم الحاجة والجهل لسلك هذا السلوك المتخلف والوحشي المنا في لكل الأديان .
كانت صورة " أبانوب " مُفرزة لكل هرمون الأدرينالين في دماء " نور " وعائلته , بل و" شمس " و" ميشال "  أيضا ً، فلأول مرة يرى " ميشال " ما يدعون أنه الإسلام الحقيقي بكل ما فيه من وحشية ، لكن معايشته " لشمس " تجعله على يقين أن الإسلام له تأثير السحر على من يقترب منه , وإن كان هؤلاء مُسلمين حقاً كما يدعون فمن يكون " شمس " والمصريين الذين عرفهم ، وأمام كل ما لمسه من " شمس " وما تعلمه منه عن الإسلام وما رآه من شواهد , لم يشك للحظة أنه إرهاب مُمول , ومدفوع الأجر ، وقتها فقط تذكر النقاش الحاد الذي دار بين " شمس " و " موريس " حول ما يفعله اليهود لبناء أمجادهم ، لقد رأى هذا النقاش بعينه وسمعه بأذنيه ، حقاً إن تلك الجماعات مجرد " ماريونيت " في يد الصهاينة وأتباعهم ، هذه الحقيقة التي استقرت في عقل وقلب " ميشال " دون أي شك .
أتصل " ميشال " بصديق له أسمه "ديدييه فرانسوا" صحفي فرنسي ومراسل حربي ، ربما يكون لديه من الخبرة بمعرفة مُجريات الأمور ، وربما يجدون ضالتهم في سبيل لعودة " أبانوب " ورفاقه ، في نفس الوقت كان " نور " مُصراً على الاستماع لهذه المكالمة بنفسه من خلال مكبر صوت الهاتف ومواجهة الأمر بكل شجاعة .
ميشال : صديقي "ديدييه" أرجو مساعدتك ، لدي صديق مصري وهو شريك لي في الفندق ، ابن عمه أحد المُختطفين العشرين من قبل " داعش "، هل وصلت اليك أي معلومات عن تلك الواقعة أو إمكانية الإفراج عنهم .
ديدييه فرانسوا : أنا أسف " ميشال  " ما لدي من حقائق أن هؤلاء تم إعدامهم بالفعل يوم الثامن من فبراير وأن ما تفعله " داعش " هو من قبيل حرب الأعصاب قبل الإعلان عن الذبح الفعلي الذي سيظهر مفاجأة بشعة للعالم كله كسائر جرائمهم ، لقد كنت رهينة لديهم ففي كل يوم يقود هؤلاء المجرمين أسراهم لعملية ذبح أو صلب وهمي وكأنها مشهد تمثيلي ، يكتشف بعدها الضحية أنها من باب حرب الأعصاب حتى يعتاد على هذا الاغتيال الوهمي ، وعندما تحين لحظة الصفر لا يدرك أنها لحظة النهاية ، فيبدوا هادئاً في الفيديوهات كما ستظهر بعد ذلك .
أغلق " ميشال " الهاتف وحاول التخفيف عن " نور " الذي لم يقل إلا كلمة واحدة نشكر الرب ، ثم ذهب إلى غرفته يبكي , ويقيم لنفسه مُحاكمة لأنه سمح لظروف الحياة أن تُباعد بينه وبين " أبانوب " حتى قُتل من أجل 2000 جنيه راتب ، ينظر " نور " حوله فيجد ما يحيط به من نجاح ورفاهية سكيناً تذبحه آلاف المرات ، ولكن عليه الآن أن يتماسك لكي لا ينهار أمام والده وعمه فهما بحاجة له .
في صباح يوم الجمعة 14 فبراير يتلقى اتصالا من والده يطمئن منه على الأخبار
والد نور : أنا بكلمك والعيلة كلها جنبي ، نزلوا مصر وعاملين وقفة احتجاجية عند نقابة الصحفيين ، إنت يا ابني ما وصلتش لأي أخبار
نور : ب احاول
كان صوته متهدجا ، ففهم والده من صوته أنه عرف شيئا يحاول إخفاءه ، لكن    " القسيس ملاك " كان لديه من الصلابة ما يجعله يواجه الموقف دون أن يشعر أحد بشيء
والد نور : يا ابنى إنت عارف أبوك كويس , قضيت عمري ب اخدم في الكنيسة وب اراعي شعبها ، وعندي من الإيمان والصبر كثير قوي .
فهم " نور " من كلمات والده أن لديه من الرغبة لمعرفة الحقيقة , ومن الجلد ما يمكنه أن يحتملها ، فرد عليه بصوت منخفض لكي لا يسمع صوت الهاتف أقاربه الواقفين إلى جوار والده
نور : مع الأسف يا ابويا اللي عرفته إنه غالباً الصور المنشورة لإعدامهم ، وأنهم ممكن يعلنوا ده خلال أيام ، لكنهم بيعملوا حرب أعصاب ، أبويا ... انت راجل قوي وشجاع ومؤمن ، لكن ربما يكونوا عايشين وفيه أمل ، حاولوا يمكن الضغط يخلي الدولة تهتم وتتحرك بسرعة ويكون فيه أمل فعلاً 
والد نور : نشكر ربنا ، نشكر ربنا ، على العموم إحنا كلنا بخير وسلامك هيوصل ,  ولو عرفت شيئا بلغنا
أغلق والد نور الهاتف , وقد فهم المحيطين به أن " نور " ليس لديه أي أخبار عن المُختطفين ، وكان لدى " والد نور " من القوة أن يواجه الموقف بصبر وشجاعة 

مر اليوم وأصبحت الوقفة الاحتجاجية محط أنظار جميع المصريين ، ومسار حديث البرامج الفضائية والإخبارية ، وتم الإعلان لأول مرة عن طلب " داعش " مبادلة واحد وعشرين  قبطيا ب " كاميليا شحاتة " و " وفاء قسطنطين " ، ومن أول وهلة اتضح للجميع أنه لا فائدة من المفاوضات ، أهالي المخطوفين يقولون من أين سنأتي بهما لمبادلتهما ، كانتا " وفاء وكاميليا  " اثنتين من المسيحيات انتشر خبر إسلامهما وبعد فترة من الغموض تظهران وقد اتخذت " وفاء  " طريق الرهبنة أما " كاميليا  " فقد ظهرت في فيديو تقول أنها عاشت مسيحية وستموت مسيحية , وأغلق الستار على هاتين القصتين , فلا يوجد مجال للتفاوض أو إمكانية رجوع المُختطفين , واتضحت حقيقة الأمر أنها بالفعل حرب أعصاب .

في مساء يوم الجمعة يلتقي أهالي المُختطفين برئيس الوزراء " إبراهيم محلب " ووزير الأوقاف بساحة الكاتدرائية المصرية , ومعهم رجال الكنيسة حيث أبلغهم أنه تقرر صرف 1200 جنيه معاش لكل أسرة من أسر المُختطفين ، في تلك اللحظة تأكد " والد نور " أن ما ذكره ابنه صحيح , وأن مصادر الدولة تأكدت من موتهم , لكنهم ينتظرون إعلان " داعش " عن تلك الجريمة النكراء ، ولم تكن تلك الرغبة في تبادل الأسرى إلا من قبيل حرب الأعصاب كما ذكر نور , ومحاولة لإشعال الفتنة الطائفية في مصر .

الجميع يتابع عن كثب مصير هؤلاء المصريين  وعبر وسائل الإعلام ,  البعض يُلقي باللوم على الضحايا نظراً لسفرهم لبلد غير آمن ، والبعض الأخر يُلقي باللوم على الدولة لمنحهم تأشيرات السفر ، والبعض يُلقي باللوم على الخارجية لأنها لم تتخذ ما يكفي من إجراءات للتفاوض على محاولة استرداد هؤلاء المصريين الذين لا حول لهم ولا قوة ولا ذنب إلا البحث عن لُقمة عيش شريفة , وان كان ثمنها الحياة نفسها في وقت يبيع الكثيرين شرفهم وضمائرهم ومبادئهم لتحقيق كل كسب حرام .

يوم السبت الرابع عشر من يناير 2015 تُعلن الخارجية المصرية أن خلية الأزمة تقوم بمساع مع مشايخ القبائل في ليبيا للتفاوض حول إمكانية استعادة المصريين ، وأنين أهالي الضحايا واستغاثاتهم ترتفع عبر وسائل الإعلام ، وباتت الساعات بل الثواني عصيبة على جموع المصريين . 

في الأحد الخامس عشر من  فبراير تُعلن " داعش " عن نشر فيديو لذبح المصريين المُختطفين , وبه نفس المشاهد التي بدت في الصور التي نشرتها " داعش " من قبل ، إذن كانوا يُفاوضون من باب الحرب النفسية فقط ، كان فيديو الذبح وحشيا ، لا يقوى الكثيرون على مشاهدته من فرط وحشيتها . 
وعلى غير ما يتوقع أعداء الوطن , أن يُحدث هذا الفيديو فتنة طائفية ، لكنها مصر المحروسة التي أراد لها الله النجاة والسلامة , فدائماً يُنزل الهدوء والصبر والسكينة على قلوب أبنائها وقت المصيبة ، وترشدهم نفوسهم الطيبة لمعرفة عدوهم ، فلم يكن الإسلام يوماً عدواً للمسيحية ، لكنه إرهاب مُمول نعم هذا ما أدركه الجميع , وأصبح المصريون وقت الأزمة يداً واحدة , وأُعلن الحداد في مصر .

كان يوم الأحد عصيبا على " نور وشمس وميشال "، كان " نور " مُهيئاً للإعلان عن هذا المصير الذي كان متأكدا منه قبل الإعلان عنه ، أما " شمس " فقد  شعر أن هناك حرباً ضد الإسلام باسم الإسلام ، وكأن هؤلاء السفاحين يقولون للناس هناك دين يذبح ويقتل ويحرق ويدمر الحضارة والتراث , ويحارب العلم فأخرجوا منه  , هكذا أراد أعداء الدين والإنسانية . 
المشهد في مصر ، المصريون مسيحيون ومسلمون يهتفون ضد الإرهاب ، أخوة لا يفرقهم شيء ،  والمشهد في بلجيكا مُختلف تماماً فهو يوم حُفر في ذاكرة " نور وشمس وميشال " .

فور الإعلان عن مقتل المصريين المختطفين عبر وسائل الإعلام , اندفع " نور وشمس " للتأكد من الخبر عبر الإنترنت من خلال الفيديو المنشور ، ظهر فيه       " أبانوب " وهو تحت قبضة أحد مجرمي " داعش "، راقب " نور وشمس وميشال " الفيديو ومع أول مُلامسة للسكين على رقبة " أبانوب " أغلق " نور " جهاز الكومبيوتر ، فلم يقو على احتمال مشاهدة ابن عمه وهو يذبح بتلك الوحشية ، ولم يكن الأمر مُختلفا لدى " شمس وميشال " بعدها جلس " نور " على الأريكة المجاورة لمكتبه صامتاً , تتساقط دموعه , لكنه لم ينطق بكلمة واحدة . 
وخيم الصمت على " ميشال وشمس " حتى قطع الصمت رنين هاتف " نور" ، كان والده يخبره بما حدث , وبصعوبة بالغة رد على أبيه :  نشكر ربنا وأغلق الهاتف ، وما هي إلا ثوان حتى فُتح باب مكتب " نور " المتواجد به الأصدقاء الثلاثة , لقد كان " موريس " الذي حضر لمواساة " نور " على حد قوله , فكان للمواساة شأنا آخرا .
موريس : " نور " صديقي العزيز , أعلم الآن مدى حزنك وآلمك ، كنت متابعاً تلك الفترة لما يحدث  , لكن اليوم وجدت أنه من الضروري الحضور لمواساتك 
نور : نشكر الرب 
موريس : إنه إرهاب أسود ، يقولون أنهم أعدموهم لأنهم مسيحيين ، وأن محمد جاء بالسيف رحمة للعالمين 
أحمر وجه " شمس " غضباً فأي إسلام وأي نبي الذي يأمر بهذه الوحشية ، وكاد أن يرد ويصب غضبه على " موريس " لكن سبقه " ميشال " بالرد 
ميشال : لقد أهداني شمس نسخة من القرآن بالهولندية ، قرأته كاملاً , وجدت فيه سورة كاملة اسمها " سورة مريم " لم يذكروا أم المسيح إلا بخير ، فتعجبت لأمر هذا الدين الذي يتحدث عن أم المسيح بهذا الرقي والاحترام , ويتحدث عن رحمة القساوسة والرهبان وتواضعهم وخشوعهم ، ثم يتهمونه أنه دين يسفك الدماء، , هل من يتحدث بهذه الرحمة يمكن أن يكون بهذه الوحشية ؟ كما أنني لم أجد هذا العنف في بلادهم بين المسلمين والمسيحيين .
موريس : أكيد يوجد بالإسلام ما يحض على العنف ، أتعلم أنهم حرقوا معاذ مثلما كان يحرق أبو بكر وخالد بن الوليد الناس أحياء ، إن هذا موجود بالتاريخ الإسلامي وليس بشيء جديد 
ميشال : لو كان دينهم يأمرهم بالحرق , لما كان على وجه الأرض يهوديا إلا أحرقوه
احمر وجه " موريس " غضباً ، فها هو " ميشال " يعيد إلى ذاكرته محرقة اليهود ، فرد بغضب : وهل ترى أن اليهود مُستحقين للحرق مثلما فعل هتلر ؟ 
ميشال : بل أرى أنكم على عداء دائم مع العرب والمسلمين ، وأنتم بالنسبة لهم مُغتصبوا للأراضي المقدسة ، فلو كان هناك من أولى بالحرق والذبح لكان عدوهم الأول وليس المسيحيين , كما أن الإسلام كما قرأت ينص على إيمان المسلم بكل الأنبياء والرسل بما فيهم موسى وعيسى .
صاعقة أخرى تلقاها موريس ، نعم إنه يفهم تلميحات " ميشال " ، فلم يتورط المسلمين في قتل الأنبياء , مثلما حفل تاريخ اليهود ,  فحاول ترجيح الموازين لصالح إسرائيل واليهود المضطهدين كما يعتقد
موريس : لقد شاهد العالم اليوم يوماً واحداً من مُعاناة اليهود في إسرائيل ، وعندما نمارس رد الفعل يتهمنا العالم بالبربرية والوحشية ، يحاسبوننا على الدفاع عن أنفسنا ولم يحاسبهم أحد على أعمالهم الإرهابية ، وما التفسير أن يخرج كل هذا العنف من دين واحد ؟ هل أصيب العالم كله بمرض التخيلات أم أنها حقيقة مؤكدة لا تقبل الشك ؟
خرج " نور " عن صمته لأول مرة بعد مشاهدة الفيديو بكلمات  ذات تلقائية شديدة لم يتكلف  فيها شيئا ، لكنه قال ما استقر في نفسه
نور : المشهد ده بيفكرني بأفعال عصابات " الهجانة  "لما اقتحمت دير ياسين الساعة الثالثة فجرا تذبح ، وتقطع الرؤوس ، وتمثل بالجثث ، وتغتصب النساء الصغيرات والمسنات ، تبقر بطون الحوامل , وتقطع أطراف الأطفال ، مجزرة بشعة يصعب محوها من ذاكرة التاريخ
موريس : ماذا تقصد  ؟ هل ترى اليهودية دين إرهاب ؟
نور : لا وحق من قُتلوا غدراً ، قلت لك سابقاً الأديان تتوافق ولا تتطابق ، تتفق فيما تدعوا إليه من رحمة وقيم أخلاقية ، وتختلف في طريقة ممارسة العبادة ، لكن دائما هناك من يحاول لي ذراع الدين لخدمة أهدافه ، والعمل تحت راية الدين ، فيلصقون به ما ليس فيه ، ويتحدثون باسمه ، دائماً يظنون أن الله لم يهد غيرهم ، فيتصرفون وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة والنار ، بها يُقسمون الناس إلى مؤمنين وكفار ، ثم يمنحون أنفسهم الحق في إنزال العذاب بمن كفر ، كأنهم الرب ذاته ، غايتهم تُبرر وسيلتهم ، منهجيتهم واحدة ، هكذا فكرهم دائماً واحد وإن اختلفت المسميات
موريس :طبعا تقصد " داعش " وغيرها من المسلمين المتطرفين 
ابتسم " نور " ابتسامة باهتة ثم قال : " داعش " مجرد " ماريونيت "، ابحث عن الأيدي التي تمسك بالخيوط
اصفر وجه " موريس " وقال : ماذا تقصد  ؟ كلامك كله تلميحات والغاز لا أفهمها ، هل تعلمون شيئا لا نعلمه نحن ؟ 
نور : حاولت ,  حاولت جاهداً مشاهدة الفيديو فوجدت أن القامات الطويلة ليست مشابهة لقامات العرب ، كما وجدت ساعات , وكاميرات تصوير , وأسلحة , تنم عن تمويل سخي لا يتوافر لنا كشعوب عربية تعانى الفقر والجهل والمرض ، هذا بالإضافة للكنة بريطانية فمن يكون هؤلاء 
موريس : مسلمين وهذا هو الأكيد الآن ، فمن الذي أحرق كنائس المسيحيين في مصر , أليسوا مسلمين ؟ ولماذا ليس لديكم حرية بناء الكنائس ؟ كل هذا أليس اضطهادا لكم كمسيحيين ؟ 
نور : وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن , هكذا قال البابا تواضروس عشنا 1400 سنة في محبة وسلام رغم التيار المتشدد أو المتطرف , مازال هناك وحدة وترابط وحب يجمعنا , ولو كان الإسلام دين عنف لكان هذا العنف ظهر منذ عهد عمرو بن العاص , لكن المسيحيين في عصره عاشوا في عدل بعد قهر الرومان , رد لهم أموالهم وكنائسهم 
موريس : على كل حال لن أعقب على ما ذكرته , فأنت في حالة نفسية سيئة ، ولكن سأمد يدي وأقول لك البقية في حياتك كعادة المصريين 
نظر إليه " نور " متأملاً ليده دون أن يمد له يده ثم قال إحنا " صعايدة "  و " التار قبل العزا " 
ارتجف " موريس " من تلك الكلمة وقال : التار من مين ؟ !! 
نور :  من المجرمين 
خرج " موريس " من مكتب " نور " يبدوا عليه كل مشاعر الضيق والغضب ، أما       " نور " فنظر له " شمس وميشال " نظرة الإعجاب بقدرته على تحمل الأزمة وصلابته في مواجهة " موريس " الذي لم يحضر سوى لرغبته في التلاعب بمشاعره لإشعال نار الفتنة الطائفية .

بعد معاناة طويلة وقلق مُستمر بشأن مصير الشباب المصري ، شعر " نور "بكل الألم يُلم بجسده ، لكن هذه الليلة طلب منه " شمس " أن يبيت معه في غرفته لقلقه عليه ، وكأن " نور " كان ينتظر هذا فوافق فوراً 
استسلم للنوم بعد أن تناول قرصا مُهدئا ، أما " شمس " فقد جلس على كنبة مجاورة يقرأ القرآن , ثم فتح التليفزيون بغرفة الصالون يتابع القنوات المصرية ، وما أن أدار الريموت نحو الفضائية المصرية حتى رأى الطائرات المقاتلة المصرية تنطلق لضرب " داعش " في ليبيا ، فذهب إلى " نور " يوقظه ، ففتح عيناه فقال له شمس : قوم شوف الطيران المصري وهو بياخد بتار " أبانوب " فقفز من فوق السرير متجهاً إلى شاشة التليفزيون وهو سعيد مُبتسم , يشعر أن كرامته ردت إليه ، وقتها فقط قال له شمس : البقاء لله ، فقال له " نور " : احجز لنا تذكرتين طيارة علشان نروح ناخد عزاهم

في مساء يوم الإثنين كانا  في محافظة "  المنيا " ، " شمس " إلى جوار " نور " مثل كثيرين غيره من المسلمين ، وقفوا لتلقي واجب العزاء في جيرانهم وأصدقائهم من المسيحيين ، عزاء تحول إلى ملحمة وطنية ، الجميع يهتف باسم مصر والجميع يؤكد وحدتهم ضد الإرهاب 

عادا إلى القاهرة في الصباح الباكر من يوم الثلاثاء ، وفي الساعة الخامسة عصراً جلسا على مقهى رمسيس المُُعتاد ، حالة من التماسك كانت تبدو على وجه " نور " بسبب إثلاج صدره بالضربة الجوية التي وجهت " لداعش "، وبسبب حالة التماسك البطولي التي ظهر عليها " أبانوب " ورفاقه ، حقاً كانوا رجالاً شامخين رغم مواجهة الموت ، لقد كانت شجاعتهم تدعوا للفخر بهم ، كان أيضا من أسباب ارتياحه هذه الروح المتوحدة بين المسلمين والمسيحيين , فهم لُحمة واحدة لا يستطيع أحد التفريق بينها ، أيضا تُظهر الأحداث أن مصر لازالت بلد الأمن والأمان , عندما ننظر لما يحدث حولها في الدول العربية كالعراق وسوريا وليبيا ، وكل هذه المعاني تجلت في مشهد المصريين الفارين من ليبيا , عندما سجدوا لله شكراُ يقبلون تراب الوطن , ويقولون عمار يا مصر رغم كل شيء .

لحظات من التأمل والرضا ، لم يغب عنها الألم لمشهد الذبح البشع الذي لن يُمحى من الذاكرة ،  فإذا بهذا التأمل والصمت يقطعه حديث مجموعة من الشباب على الطاولة المجاورة لهما ، كان نقاشهم حادا  , وبصوت عال
عادل : بصراحة يكون في عون أهالي الشباب دول , أنا شفت الفيديو كله , بصراحة شيء بشع , ده لو كفرة ما يعملوش كده
هيثم : ليه هو انت مصدق التمثيلية دى ، ده فيلم عمله العسكر علشان يقولكم شفتم لو سيبناكم هـ يحصلكم إيه ، داعش هـ تدبحكم، وأصلا لا فيه " داعش " ولا يحزنون ، وبكده يقدموا " ليبيا " على طبق من دهب لأمريكا ، علشان تحتلها باسم الحرب على الإرهاب
عادل : وإيه مصلحة الجيش إنه يسلم " ليبيا " للأمريكان وهما جيراننا ؟ ويخلي مصر في كماشة أمريكا , وبعدها أمريكا تحتل مصر وتضرب الجيش المصري                هيثم : أومال انت فاكر إيه , الناس دي خلاص ربنا عمي قلوبهم وإن شاء الله هـ ينتقم منهم 
عادل : نعم ؟ !!، يعني أنت عايز تقنعني إن الموضوع كله إننا نتغطى كويس قبل م ننام ، وإن مفيش " داعش " وهي ما قتلتش حد ، والجيش عامل " داعش "  تمثيلية علشان " أمريكا " تحتل " ليبيا ومصر " وكمان الجيش اللي بيدمر نفسه بنفسه , ويعمل تفجيرات في معسكراته ويموت نفسه
هيثم : خليك منساق ورا  الإعلام الفاسد ، فعلا مش سحرة فرعون , إنت ما شفتش الناس دى رايحة تتعدم بهدوء ازاى ، بذمتك لو انت مكانهم هــ تبقى حالتك إيه ؟ وبعدين فيه بحر ب يتلون أحمر
عادل : طبعاً ، معاهم كاميرات حديثة , وتسليح قوي , وتمويل سخي , واللي عمل " داعش " عمل " القاعدة " قبليها  , بس ربنا مسيره يقلب السحر على الساحر
باهر : المهم الانتخابات على الأبواب , ولازم تقفوا جنب الحزب بتاعي ، لما البرلمان يتشكل صح الدنيا هـ تتعدل , ونقدر نعمل قوانين تمشي البلد صح
هيثم : والحزب بتاعك بقى عمل إيه للبلد ، آه نسيت تقصد برلمان " أحمد عز وسما المصري " ، وبرلمان العار ده هـ يعمل قوانين تمشي البلد , ولا تهز البلد وتخربها أكثر ما هي خربانة 
عادل : يا سيدي مين قال لك إنهم هـ ينجحوا  ؟ ما شفتش الناس لما حرقت بطاطين " أحمد عز " , وبعدين المصريين صعب ينضحك عليهم تاني بعد كل بيت ما بقى فيه شهيد
هيثم : كل واحد يموت دلوقتي يسموه شهيد , وبعدين فين قلوب الناس لما بتوع رابعة ماتوا  ؟ ولا دول مش شهداء ؟ !
عادل : إحنا مش ربنا علشان نحكم على مصاير الناس , مين شهيد ومين مش شهيد ؟ ربنا يرحم الجميع برحمته , لكن فيه ناس اندبحت بدم بارد ، سافروا من قلة الشغل , لازم نعاملهم معاملة الشهداء
جاسر : وهى " داعش " عملت إيه غير إنها طبقت الشرع 
عادل : نعم ؟ ، شرع ؟ , وبعدين , من إمتى انت أصلا بتفهم في الشرع ,  أنا عمري ما شفتك في جامع يا ابنى ، إنت تربية بلاد بره ، إنت ناسي سهراتك  , وشعرك اللي عامله ديل حصان , تفهم إيه انت في الشرع ؟  
جاسر : أنا خلاص مسافر بكرة ,  انضميت  " لداعش "
باهر : سيبوه ده خلاص مخه ضرب , بقالي فترة شايفه على تويتر ب يتكلم مع العيال بتوع " داعش "  ومأيدهم ، قلت عايش الدور على تويتر يومين , لكن واضح إنه اتجنن بجد ، مين يصدق إنه كان في يوم من الأيام من شباب الثورة , وقلت انصلح حاله , لكن المايل مايل
عادل : والله م انا فاهم حاجة  , الناس اتهبلت ولا إيه  , أنا سايبكم وماشي
حوار دار بين هؤلاء الشباب استمع إليه " نور " بكل إصغاء وقلبه يتمزق ، و " شمس" مشفق على صديقه لذلك هم بالقيام ومغادرة المقهى رحمة ب " نور " من هذا الحوار المؤلم ، لكن " نور " قام واتجه ناحية هؤلاء الشباب , وأمسك بذراع عادل الذي كاد أن يغادر المقهى ، فالتفت الجميع له , تعلوهم دهشة لهذا التصرف من نور  نور : ممكن لحظة من فضلكم ، أنا سمعت الأستاذ وهو بيقول إن اللي                       " داعش " عملته فيلم عامله الجيش ، أفهم من كده أن الشباب دول عايشين ما ماتوش , صح ؟  ، أنا موافق وفرحان بس رجعلي " أبانوب  " تقدر ترجعهولي 
صمت " هيثم  " ووضع وجهه في الأرض , لا يعرف ماذا يقول 
نور : ما دمت سكت كده يبقى " أبانوب " مش راجع، " أبانوب " يبقى ابن عمي شفته ب يندبح قدام عيني , عارفين سافر ليبيا ليه ؟ علشان 2000 جنيه مش لاقي ربعهم في مصر ، علشان ما يقولش لابن عمه المرتاح اللي هو انا  " أنا محتاج "، عزة نفسه منعته فدفع حياته الثمن ، الناس دي كان عندها كرامة , واجهوا الموت علشان ياكلوا لقمة عيش بشرف , لا سرق ولا بلطج ولا حرق ، بس في كل كلامك كلمة صح , لما قلت للأستاذ الأحزاب عملت إيه ؟ ، عملت إيه كل الأحزاب ل " أبانوب " واللي زيه لما سافروا يتغربوا في بلاد الموت فيها بيقش الناس علشان ملاليم مش لاقينها في بلدهم ، بتوع الانتخابات مش بنشوفهم إلا في موسم الانتخابات  , بيعاملوا الناس كأنها كلاب تفرح بعضمة , يرموها لها وتجري وراها وبعد كده يسيبوا الكلب الغلبان فريسة للفقر والجهل والمرض والإرهاب اللي أصبح رحمة له من دنيته .
آه آسف إني مسكت دراع حضرتك وعطلتك , كنت ماشي ، زعلت من الأستاذ اللي مشي و ب يقول إنه انضم " لداعش " ، فهمت منك إنه ما فهمش الدين صح ، مسكين ما لقاش اللي يعلمه , ويوم ما فكر يشوف بلده زى بلاد برة اللي عاش فيها وشارك في الثورة طلع اللي يقول عليهم عملاء وخونة ، حتى لما انتخبوا ناس جديدة تعرف ربنا للأسف اتقال عليهم علمانيين وما يعرفوش ربنا ، ويوم ما الناس ثارت على الإخوان ، ظهر لهم على الساحة " أحمد عز وسما المصري "، تفتكر يعمل إيه ؟ راح من وجهة نظره لناس معاهم القوة والعنف والبطش أكثر من أي نظام قمعي , و ممكن يقول إنه متدين أكثر من الإخوان نفسهم ويطبق عليهم الحد لو عايز ، ب يحلم إنهم يحكموا العالم ويبقى حقق أحلامه في دولة         " داعش " لما فشل في تحقيق احلامه وسط أهله وناسه ، الشاب ده وغيره كثير مع الأسف ضحايا ، ضحية فرصة عمل تضمن له حياة كريمة في بلده ما لقهاش فيضطر يدور عليها بره ، ضحية تعليم ديني صح من ناس متخصصة ما لقهوش ففهم الدين من ناس تانية ، وضحية أنظمة مستبدة سنين طويلة ضيعت أحلام الشباب وهمشتهم لغاية ما خرج عن صمته وثار ، وضحية ناس مريضة وفاسدة تركب أي موجة مع أي نظام , فرضت نفسها على المصريين فرض تمص دمهم وتحطم أحلامهم , وكأن مصر عزبتهم الخاصة مش وطن لكل المصريين ، بس في وسط كل ده فيه عدو صاحي  , ومفتح عينيه , ومراقب كويس علشان يستقطب الشباب دول ، قبل ما تلوموا عليهم لأنهم وقعوا في شباك ناس مجرمين لازم نمد لهم إيدينا ونحتويهم , لازم ندور على اللي يجمعنا مش يفرقنا ، إمتى نفوق بقا ونفهم , إمتى ؟
شمس : " نور " كفاية كده , يا للا أرجوك كفاية ، كل واحد ب يشوف الحق والحقيقة من وجهة نظره
نور : ولغاية إمتى يا شمس ؟  حتى الموت اللي كان ب يجمع الناس تواسي بعضها بقا ب يفرق ، الرحمة ماتت في قلوبنا
شمس : بس رحمة ربنا واسعة , مش هـ نحاسب ربنا في حكمته يا " نور "

قرر شمس العودة إلى بلجيكا , وأصر أن يسافر مع " نور " فهو بحاجة للابتعاد عن " مصر " لكي ينسى الظروف العصيبة التي مرت به وبعائلته بل وبمصر كلها ، كان " نور "  راغباُ في البقاء إلى جوار عائلته , لكن والده رأى أن وجهة نظر              " شمس " صائبة , وأن السفر أفضل علاج لنور ، وطلب من " جورج " أبن أخيه وشقيق " أبانوب " أن يتولى أمر إدارة المحل بفرع سيتي ستار , وهي نفس الوظيفة التي كان " نور " عازماً أن يكلف بها " أبانوب " بسبب سفره لبلجيكا ، وكان هذا الأمر مريحاً لقلبه , بعد أن خصص لجورج راتبا مُجزيا يمكنه من رعاية أسرته ,  دون أن يُشعر عمه أنه يتلقى إحساناً أو مساعدة من أحد , حتى لو كان أخيه أو ابن أخيه ، أما والدة " أبانوب " فلم تحتمل خبر وفاة ابنها , فعجل هذا بوفاة كانت مُنتظرة الحدوث سلفاً , فهي في المراحل الأخيرة من المرض .
استيقظ الصديقان في الساعات الأولى من صباح السادس والعشرين من فبراير 2015 وودعا أسرتيهما استعدادا للذهاب إلى مطار القاهرة للسفر إلى بلجيكا ، كان " شمس " متشوقاً لروية " عبد الرحمن " ، " عبد الرحمن "  طفل صغير من سكان " شارع رمسيس " ,  توفي والده الذي كان يعمل بالتجارة , وكان أخوة شريكا له ، وبعد وفاة الأب استولى الأخ على نصيب أخيه , وترك زوجة أخيه وابنها بلا عائل ,  فلم تجد " أم عبد الرحمن " مصدراً للرزق إلا أن تعمل على أحد الأرصفة في عمل الشاي والقهوة للبائعين والمارة ، كان " شمس " يجد في نفسه حباً قويا ل " عبد الرحمن " مما دفعة لأن يكفله بعدما تحسنت أحواله المادية وسافر للعمل في بلجيكا ، وكان " عبد الرحمن " نفسه شديد الحب ل " شمس " وكان يعلم بموعد سفره ، لذلك لم ينم في تلك الليلة , وانتظر حتى أشرق نور الصباح , ووقف بالشارع ينتظر نزول " شمس " ليسلم عليه 

خرج " شمس ونور " من باب البيت , ونظر " شمس " إلى الشارع فوجد " عبد الرحمن " في أول الشارع يلعب أمام أحد المحال ، فهم بالذهاب إليه , ووضع حقائبه على الأرض إلى جوار " نور " وما كاد أن يرفع رأسه حتى سمع صوت انفجار مدو وضوء قوى اهتز له " شارع رمسيس " ودفع ب " شمس ونور " إلى مدخل البيت من شدة الانفجار , وما هي إلا ثوان حتى خرجا يستكشفا ما حدث ، التفتا إلى المكان الذي كان يقف فيه " عبد الرحمن " فإذا به يجد الأرض مكانه تلونت باللون الأحمر وقد تحول إلى أشلاء