الثلاثاء، 30 أغسطس 2016

قصيدة مصر تتحدث عن نفسها

مصر تتحدث عن نفسها

للشاعر حافظ ابراهيم




وقف الخــلق ينظرون جميعــــًا 

كيف أبني قواعد المجد وحدي 


وبناة الأهرام في ســالف الدهر 

كفوني الكلام عند التحـــــــدي


أنا تاج العلاء في مفرق الشرق

ودراته فرائــــــــد عقـــــــدي


إن مجـدي في الأوليات عريق

من له مثل أولياتي ومجــــــــدي


أنا إن قدر الإله ممـــــــــاتي

لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي


ما رماني رام وراح سليمـــــاً 

من قديم عناية الله جنـــــــــــــدي


كم بغت دولة عليّ وجــــارت 

ثم زالت وتلك عقبى التحــــــــدي


إنني حرة كسرت قيــــــودي

رغـــم أنـف العـدا وقطـــعت قيدي


أتراني وقد طـــــويت حياتي 

في مراس لم أبلغ اليوم رشـــــــدي


أمن العدل أنهم يردون المــاء 

صفـــــــــوا وأن يكــــــــدر وردي


أمن الحق أنهم يطلقون الأســـد 

منهم وأن تقيــــــــــد أســـــــدي


نظر الله لي فارشـــــد أبنائي 

فشدوا إلى العلا أي شـــــــــــــــــد


إنما الحق قـوة من قوى الديــان 

أمضي من كل أبيض وهنــــــدي


قد وعدت العـــــلا بكل أبي 

من رجـــــالي فانجزوا اليوم وعدي


وارفعوا دولتي على العلم والأخلاق 

فالعلم وحـــــــــــده ليس يجدي


نحن نجتـــــــاز موقفاً تعثر الآراء 

فيه وثمـــــــــــــرة الرأي تردى

فقفـــــــوا فيه وقفــــــــــة حزم 


وارســــوا جانبيـــه بعزمة المستعد

الفصل الرابع - شارع رمسيس ج1

كتبت في 19 فبراير 2015
القصة كاملة من وحى الخيال عن عودة عدد من القطع الأثرية من بلجيكا والتي شوهدت أحداها بأحد صالات المزادات وهذا هو الحقيقة الوحيدة بهذه القصة
كما تم ضبط عدد من القطع بحقيبة سيدة سافرت بها إلى بلجيكا لبيعها هناك وتم إعادة القطع المسروقة إلى متحف الآثار المصرية
كما تم الاستعانة بحلقات المؤرخ بسام الشماع على يوتيوب 
بشأن أدعاء اليهود بناء الاهرامات



 شارع رمسيس


على " مقهى رمسيس " الكائن بشارع رمسيس بالقاهرة ، حيث يقع على مقربة من متحف الآثار المصرية ، جلس " شمس " يحتسى كوب الشاي بالنعناع ، ينظر إلى المارة بالطريق ، يبدو عليه الشرود ، فجأة يقطع هذا الشرود صوت مذيعة النشرة الإخبارية للتليفزيون المصري : " صرح وزير السياحة المصري فخري عبد النور بوجود قلق عالمي من الفتاوى الدينية بشأن السياحة ، مؤكداً أنه تلقى رسائل استفسار من بعض الدول حول تلك الفتاوى ، وأضاف أن وزارة السياحة ستتخذ خطوات جاهدة في تنشيط قطاع السياحة ، ومن الجدير بالذكر أن قطاع السياحة المصري قد سجل تراجعاً عنيفاً في مؤشراته خلال الموسم السياحي الذي بدأ في يوليو 2010 وانتهى في يونيو 2011، وذلك لما شهدته مصر من أحداث عصيبة وانفلات أمني بعد الثورة  "

حينها ، سأل "شمس " نفسه، وماذا بعد ، وما مصير السياحة لو صعد الإسلاميين إلى البرلمان وهم مكتسحين بالفعل حتى الآن في الانتخابات البرلمانية ، وربما يتوالى الصعود حتى يصلوا إلى الحكم ، فما مصير السياحة ، وما مصيره هو كمرشد سياحي وقد أمضى عاما كاملا متوقفا فيه عن العمل ، فالشركة التي كان يعمل بها أُغلقت ، وهاجر صاحبها إلى أمريكا بعد أن تكبد خسائر فادحة بسبب توقف النشاط السياحي ، شركات السياحة الكبرى استغنت عن أعداد كبيرة من العمالة لديها ، وشركات السياحة الأجنبية أحجمت عن إيفاد رحلاتها إلى مصر ، أما الشركات الصغيرة فقد أشهر الكثير منها الإفلاس ، وأصبح لا سبيل أمام " شمس " وأمثاله من العاملين بهذا القطاع إلا البحث عن مجال عمل مختلف و لكن ما هو هذا المجال ؟
كاد عقل"  شمس " أن يتوقف ، بماذا يعمل وهو لا يعرف مهنة أخرى سوى عمله كمرشد سياحي ، رغم هذا فقد حاول العمل في مجال الترجمة , خاصة أنه يُجيد اللغة الفرنسية والهولندية والإنجليزية ، لكن ما أصاب قطاع الثقافة لا يختلف كثيراً عما أصاب قطاع السياحة , حتى شعر أن أبواب الدنيا قد أُغلقت في وجهه .

نظر شمس في ساعته ، كانت عقاربها تُشير إلى الخامسة عصراً من يوم الاثنين 13 ديسمبر  2011، كان على أمل أن يلتقي بصديق عمره " نور " الذي اعتاد أن يتقابل معه في المقهى كل يوم في هذا الموعد بعد عودتهما من عملهما ، وما هي إلا ثوان حتى قطع صمته صوت صديقة " نور " وهو يقول له : " الحمد لله إني لقيتك ، عندي ليك فرصة العمر وكأنها متفصلة عليك " 
شمس : فرصة إيه , خير 
نور : إيه رأيك في فرصة عمل في بلجيكا ؟
شمس : بلجيكا، هشتغل إيه في بلجيكا 
نور : في السياحة ومطلوب إجادة لغتين على الأقل من 3 لغات فرنسية وهولندية وألمانية ، و انت بتجيد الفرنسي والهولندي والإنجليزي طبعاً ، وأفتكر سهل جداً أنك تتعلم ألماني هناك .
شمس : أيوه بس أنا عمري ما تخيلت إني أشتغل بره مصر ، وبعدين هشتغل إيه هناك .
نور : بصراحة هي فرصة عمل كانت ليا أنا من صديق بلجيكي اتعرفت عليه لما كان في رحلة سياحية هنا ، أسمه " ميشال ايليو " مدير فندق من أشهر الفنادق في بلجيكا ومغرم بالحضارة الفرعونية , وعايز يعمل صالة عرض للآثار الفرعونية المُقلدة كوبي يعنى من القطع الأثرية المهمة ، تقدر تقول كده متحف تقليد مش أصلي , وطبعاً عايز أثري يشرف على صناعة القطع وكتابة اللوحات الإرشادية بتاعتها وتقديم شرح ليها للزوار . 
شمس : مش ممكن طبعاً ، يعنى آثار بلدنا الأصلية مش لاقيه اللي يزورها ,  وبتتنهب , وتتسرق , واحنا نعمل متاحف تقليد يتفرج عليها الأجانب بدل الآثار الأصلية ، وبعدين لما هي كانت فرصة ليك سيبتها ليه ؟
نور : أولاً بيك أو من غيرك المتحف هيتعمل زي غيره كثير من المتاحف التقليد المنتشرة بره ، فيه ناس مُغرمة بالحضارة الفرعونية ، وفيه طلبة بتدرسها وما يقدروش يسافروا رحلة سياحية علشان يشوفوا الآثار الأصلية ، واللي يقدر منهم ,  حالياً خايف من الظروف اللي البلد فيها ، والاشتباكات كل يوم جمعة المُذاعة على تليفزيونات العالم ، أما أنا سيبت الفرصة دي ليه يا سيدي ، لأني هـ افتح فرع جديد للمطعم في سيتي ستار ، إحنا حطينا في المطاعم دي كل ميراث والدتي ، وأبويا زى ما أنت فاهم ، وأنا أبنهم الوحيد يبقى هسيب ده كله لمين ، وفي الأول والأخر هي فلوسي ومالي بعد عمر طويل ليهم .
شمس : لا أنا مش مرتاح , حاسس إني كده هـ اضر السياحة في بلدي ، لو فيه ناس بتخرب يا " نور " مش لازم نبقى زيهم , إحنا ناس دارسة وفاهمة يعني إيه آثار وتاريخ 
نور : ممكن نفكر بشكل مختلف شوية ، ليه ما تقولش إن متحف التقليد ده هيعطيك فرصة إنك تقدم المعلومة التاريخية الصح للزوار الأجانب بدل المعلومات المغلوطة ، وإنك تقدم صورة جيدة عن مصر تخليهم متشوقين يشوفوا الآثار الأصلية ، خصوصاً إنهم ممكن يقلدوا تماثيل صغيرة لكن عمرهم ما هيقلدوا الهرم وأبو الهول وأبو سمبل ، ثانياً يا أخي أنت لقيت شغل هنا وقلت لأ  , والحال ده هيطول والله أعلم الجاي إيه ، لكن اللي واثق منه إنه أسوأ مش أحسن .
شمس : سيبنى أفكر وأرد عليك
نور : وأنا معاك وما تقلقش من حاجة , لأن " ميشال " صديقي جداً وعمره ما هيرفضلي طلب ولما تعرفه هتحبه
عاد " شمس " إلى منزله وهو يفكر في كلام " نور " فماذا بيديه أن يفعله وقد أصبح يعتمد على أسرته في مصروفاته الشخصية ، وإلى متى يستمر على هذا الحال ، فلم يجد أمامه سوى المغامرة وقبول هذا العرض ، والعودة فوراً إذا استقرت الأحوال في مصر ، ليعود لعمله الذي يعشقه مرشدا سياحيا على تراب مصر .

مرت الأيام سريعاً وشمس مشغول في إتمام إجراءات السفر إلى بلجيكا حتى حان موعد السفر وذهب"  نور " مع " شمس"  إلى المطار ليودعه هناك .
نور : أنا مش عايزك تقلق من حاجة اعتبرها تجربة ، لو ما عجبكش الحال يا سيدي الفندق جنب مطار " إنتويرب " على طول، اركب الطيارة وارجع فورا ، واعتبر " ميشال " كأنه أنا بالضبط ، على فكرة هو شخصية عفوية جدا ،ً أصل البلجيكيين دول عاملين زى حبايبنا الصعايدة ، عارف لما يقولك مرة واحد صعيدي ، هما الأوروبيين بقا بيقولوا مرة واحد بلجيكى ، ناس بساط وطيبين وأديك هتروح وتشوف بنفسك ، ما تنساش اسم الفندق " راديسون بلو" في حي          " الماس  "على بعد 5 كيلو من المطار يعنى 20 دقيقة بالكثير ، وطبعاً ابقى افتكرني بكام حتة ماس من هناك ..  بجد هتوحشني يا صاحبي 

وصل " شمس " إلى مطار " إنتويرب " واستقل الحافلة المكوكية متوجهاً إلى حي الماس حيث فندق " راديسون بلو "، وما هي إلا 25 دقيقة داخل الحافلة حتى توقفت أمام باب فندق "راديسو بلو" ، إن الطريق كما وصفه صديقه " نور " تماما ، وقتها شعر " شمس " بالاطمئنان والألفة، إنها بالفعل تجربة إما أن تنجح و يستطيع بناء مستقبله، أو يعود سريعا إذا لم يحالفه التوفيق .
دخل شمس إلى الفندق وطلب من موظف الاستعلامات مقابلة "ميشال ايليو " مدير الفندق وبالفعل أمر " ميشال  " بدخوله فوراً إلى مكتبه , دخل " شمس " إلى مكتب " ميشال " الذي وقف لاستقباله بحفاوة بالغة 
ميشال : مرحباً بصديق " نور " وصديقي الجديد أهلا بك في بلجيكا بلدك الثاني 
شمس : هذا يشرفني " مستر  ميشال " 
ميشال : أمامك مهمتان للقيام بهما هنا ، الأولى الإشراف على صناعة التماثيل المُقلدة والتي سيتم عرضها بصالة عرض الآثار المصرية , بعدها ستتولى أمر المتحف كاملاً منذ يوم الافتتاح ، أما المهمة الثانية فهي قاعة المؤتمرات , والتي يُقام بها المؤتمرات الدولية والاحتفالات , وقد وضعت نظاما فريدا لهذه القاعة , فنحن نستضيف المؤتمرات الدولية بالقاعة مجاناً , مقابل الدعاية كشركة راعية ، وهذا أقل تكلفة بكثير جداً من تكلفة الإعلانات المدفوعة الأجر ، كما أننا بهذا نكون مساهمين في الأنشطة العلمية والفنية ، ومهمتك هي الإشراف على العمل بالقاعة , وإلقاء كلمة الافتتاح ، في الحقيقة لم يعد لدي الوقت للقيام بهذه المهمة ، والآن ستتعرف على المدير التنفيذي " لراديسون بلو " أنه أيضا سعيد لعملك معنا .
وبعد اتصال تليفوني بشخص يدعى " موريس " سمع " شمس الباب " يُفتح ويدخل منه رجل تبدو عليه الملامح العربية 
ميشال : إنه " موريس " المدير التنفيذي للفندق 
موريس : نورت بلجيكا حبيبي
شمس : أنت بتتكلم عربي لهجتك بتقول أنك " سوري "  أو " لبناني " 
موريس : إحنا عرب زى بعض أنا " شامي " 
شمس : وأنا متفائل جدا للعمل هنا وواضح أننا هـ نكون أصدقاء 
ميشال : " شمس "  ماذا تعنى كلمة " شمس " 
شمس : " شمس "  بالهولندية zon"    "زون 
ميشال : اوووووووه ، كان الفراعنة يعبدون الشمس في عهد " إخناتون " أليس كذلك 
شمس : كذلك " مستر ميشال" ، أنا أسمى بالهيروغليفية " أتون أو أتن " aton"  - aten "، انطقها كما تحب، كما كان هناك إله للشمس مقدس لدى الفراعنة في كل العصور، إنه الإله " رع " 
ميشال : رء رء .. إنها صعبة للغاية يكفيني " أتن "  
شمس : إذن من الآن أنا   " أتن "
ميشال : حسناً  " أتن "  لتذهب الآن إلى جناحك لتستريح ولنبدأ العمل من الغد 
اصطحب " موريس " " شمس " إلى الجناح المخصص له بجوار جناحي " موريس " و " ميشال "، شعر " شمس " بالارتياح حين وقعت عينه على " المصحف " الموضوع على المنضدة و " سجادة الصلاة " الموضوعة على الكنبة ، الغرفة تبدو وكأنها أُعدت بأيدي مصرية ، ووضح له لأول وهلة مدى الاحترام لعقيدة الآخر  .
موريس : " شمس "  اليوم ب اتركك تستريح ومن باكر ننهي عملنا وب تيجي معي نلعب طاولة  " بقهوة  أم كلثوم "  و نسمع " الست ".
شمس : " قهوة أم كلثوم " !!! دي في  " عماد الدين " في " القاهرة "
موريس : هنا فيه كل حاجة " قهوة أم كلثوم " و " مطعم كيلوباترا "  و                 " سفنكس "  و " توت عنخ أمون " 
شمس : معقول ، مش بقولك أنا سعيد ومتفائل , أنا فعلا حاسس كأني في              " مصر " 
موريس : وأنا سعيد بوجودك معانا ، وانت هـ تكون صديقي المقرب ، ب اتركك تنام ،  سلام

شعر " شمس "بالألفة والدفء , وتبددت كل مشاعر الغربة والقلق والتوتر ، نظر من النافذة المُطلة على حديقة حيوان " إنتويرب " ، فبدت له الشوارع وكأنها شوارع  " وسط البلد  " في الخمسينات حين كانت شوارع"  القاهرة "نظيفة هادئة . 
تناول " شمس " عشاءه , واستسلم لنوم عميق هادئ لم يؤرقه شيء ، وفى الساعة الثامنة صباحاً استيقظ على رنين الهاتف الداخلي للفندق فسمع صوت " موريس 
موريس : صباح الخير , أتمنى تكون نمت نوما هادئا ، اليوم أنت أجازة من العمل فرصة ترتاح ، وترتب حالك ، والفطار بعد دقايق بيكون عندك في الغرفة ، طبعاً المفروض أن الفطار عندنا 8 صباحاً في المطعم ، وكلنا ب نكون موجودين مع النزلاء ، لكن اليوم استثناء بالنسبة لك  علشان ترتاح ، وتاخد على الجو  هنا .
شمس : بجد مش عارف أقولك أيه يا " موريس" ، إنت ونعم الأخ ، وأنا سعيد بوجودي هنا ومتشكر جدا .
تناول " شمس " إفطاره ، وارتدى ملابسه , وقرر التجول في الشوارع المجاورة للفندق ، فور خروجه من باب " راديسون بلو " وجد مقابله حديقة حيوان                 " إنتويرب "،  وهي من معالم المدينة , وأخذ يتجول بين شوارع " حي الماس " ومتاجرها الشهيرة ، والتي كان أبرزها متاجر المجوهرات خاصة " الماس " ، شاهده بجميع أشكاله وألوانه ، يا لها من صناعة مبهرة ونادرة , قرأ عنها شمس كثيراً قبل سفره لبلجيكا ، إنها أهم الصناعات التي اشتهرت بها مدينة " إنتويرب " ، صناعه برع فيها اليهود وسيطروا عليها وتمركز عملهم  " بحي الماس " .
أخذ " شمس "  يتجول بين شوارع المدينة ومتاجر الملابس ، حقاً شعر وكأنه يتجول بين شوارع " وسط البلد "، شارع " شريف " و " طلعت حرب "  و " الشواربي " ، لكن هنا الشوارع نظيفة للغاية ومنظمة جدا ، الأرصفة ليست مرتفعة عن الشارع ، ماذا ينقص " مصر " لكي تكون على هذا المستوى ونحن من نملك العبقرية والحضارة .
مر الوقت سريعاً وهو يتجول في الشوارع وكلما مر الوقت شعر بأُلفة أكبر تبدد كل مشاعر الاغتراب والقلق حتى شعر بالتعب فقرر العودة  ليستريح ويشاهد القنوات المصرية ليطمئن على الأحوال في مصر .

دخل غرفته بالفندق وللمرة الثانية يجد اتصالا من " الروم سيرفيس " يسأله عن الغذاء الذي يُفضل تناوله في غرفته حسب أوامر " مستر موريس "، وهكذا قضى يومه الأول في راحة واستجمام بعيدا عن العمل .

استيقظ في اليوم الثاني له في الساعة السابعة صباحاً ، فهو أول يوم عمل له في " راديسون بلو " ، ليكون في الموعد المحدد لتناول الإفطار مع " موريس وميشال "  برفقة نزلاء الفندق ، وبعد تناول الإفطار طلب " ميشال " الاجتماع بهما بمكتبه .
ميشال : " شمس "  اليوم لدينا مؤتمر هام جداً بقاعة المؤتمرات , ستلقى به الكلمة الافتتاحية ممثلا عن " راديسون بلو  " الراعي للمؤتمر .
شمس : أريد عنوان المؤتمر 
ميشال : المؤتمر " للشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان "  , وعنوان المؤتمر    " حقوق الإنسان وثورات الربيع العربي  " ، حاضر ممثلين من دول " أوروبا  " و" حوض البحر الأبيض " ، والمؤتمر سيبدأ في الساعة الثانية عشر ظهرا ً، أمامك وقت كاف لتجهيز كلمة الافتتاح .
موريس : أعتقد أن كلمة الافتتاح ستكون متميزة عندما تصدر من " شمس "  المصري وهي أهم دولة عربية تشهد ثورة أبهرت العالم 
ميشال : أعتقد ذلك ، والآن يمكنك الذهاب إلى مكتبك لمباشرة أعمالك
خرج " شمس " من المكتب عازماً أن يستهل كل مؤتمر بنبذة عن الحضارة الفرعونية ، فلا يوجد مجال علمي أو فني أو حتى سياسي لم تسبق فيه مصر العالم منذ آلاف السنين ، فليكن تقديمه للمؤتمرات إعلاء لراية مصر وليس لراية " راديسون بلو " فراية الحضارة المصرية إضافة بلا شك لأي راية أخرى توضع إلى جوارها .

بدأ المؤتمر في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً , وكان على يمين المنصة " شمس "  و" موريس "  المدير التنفيذي للفندق يليه " ميشال " المدير العام للفندق الراعي ، ثم رئيس المؤتمر ، يليه أحد الأعضاء الفخريين للمنظمة من " تونس " ، يليه، ممثل " منظمة العفو الدولية  " ببلجيكا كعضو مؤازر ومضيف للمؤتمر .
وقف " شمس"  يُلقى كلمة الافتتاح للمؤتمر ممثلا عن " راديسون بلو " . 
شمس : السادة الحضور أعضاء المؤتمر، مرحباً بكم ، يسر فندق " راديسون بلو " رعاية هذا المؤتمر عن حقوق الإنسان ، التي ارتبطت دائماً بثورات الشعوب التي عانت من سيطرة أنظمة استبدادية , أهدرت حقوق الإنسان وكرامته ، مثل ما يُعرف حالياً بثورات الربيع العربي .
ثورة الإنسان من أجل المطالبة بحقوقه المشروعة عرفتها البشرية منذ آلاف السنين ، لذا سنلقي الضوء على ثورة عرفتها البشرية منذ 4000 عام والتي أفرزت أول مُعتصم في التاريخ .
ما أن نطق " شمس " بتلك الكلمات حتى ساد الصمت أرجاء القاعة ، الجميع مُتلهف لمعرفة هذه الثورة ومن يكون هذا المعتصم .
شمس : وقعت أحداث الثورة في عهد الملك المصري " بيبي الثاني " الذي حكم مصر في سن السادسة حتى أصبح عمره مائة عام ، كانت تلك الثورة منذ أكثر من 2200 عام قبل الميلاد ، تدهورت أحوال المصريين الاقتصادية ، وسأم الناس من حكم هذا الملك الذي لم يعد قادراً على إدارة شئون البلاد ، فقام الشعب بأول ثورة اجتماعية عرفها التاريخ ، عقب هذه الثورة حدث انفلات أمني , كما هو حادث في مصر الآن , لكنه استمر قرابة 120 عاما ، وإذا بتلك الثورة تُفرز مواطنا يعرف حقوقه وواجباته ، يُجيد المطالبة بحقه ، ويصبح أول مُعتصم في التاريخ ، هذا المعتصم هو  " خو ان انبو "  المُلقب بالفلاح الفصيح . 
كان من سكان وادي النطرون ، ترك زوجته وأخذ معه الحمير مُحملة بعشب النطرون وأعشاب أخرى , قاصداً عاصمة مصر , لمقايضة الأعشاب بالأغلال ، وفى طريق سيره مر ببيت " جحوتي نخت  " خادم لدى رئيس الحجاب " رنس بن ميرو" فاستولى على حميره وبضائعه ، فما كان من هذا الفلاح إلا أن وقف عشرة أيام أمام بيت " جحوتى نخت " يصرخ ويقول له : أنا أعرفك أنت تعمل عند " رنس إبن ميرو " كبير الحجاب , رُد إلي بضائعي ، لكنه لم يحرق له قمحا ، ولم يُلق حجرا ، أما الحكومة فبعثت للفلاح المُعتصم بالمأكولات والمشروبات عشرة أيام , وأرسلوا طعاماً لأسرته وقت اعتصامه ، كتب هذا " الفلاح الفصيح " كما أسموه بكتب التاريخ شكاوى للعدالة كانت من أروع الكتابات الأدبية ، فحكم له القضاء المصري  برد ما سُرق منه وتأميم كل ممتلكات "جحوتى نخت " لصالح " الفلاح الفصيح " ، وأن يعمل "جحوتى نخت" خادماً لديه عقاباً له وكان  مما ورد بهذه الشكاوى : 
" أقم العدالة لأنها هامة , لأنها عظيمة , لأنها تدوم "
" لا تسلكن سلوكاً منحازاً , ولا ترد من يتوسل إليك "
" إن العدالة تنزل مع صاحبها إلي الجبانة "
" إن الحاكم هو أبو اليتيم , وزوج الأرملة , وأخ من هجره أهله , ودثار من لا أم له" 
" إن الحاكم هو الذي يوجه الحياة علي الأرض ، وهو الذي يقيم العدل ، وأنه ميزان العدالة , فإذا اهتز أو مال اضطربت الحياة كلها ، وأنه تولي السلطة لإقامة العدل ، وتقصي الحقيقة  , وتطبيق القانون "
اختتم شمس كلماته بتوجيه الشكر لجميع الحاضرين لحسن استماعهم ،  وما كاد ينطق بأخر كلمة حتى ضجت القاعة بتصفيق الحاضرين، حينها لمس مدى تلهف الغرب لمعرفة كل شيء عن كنوز الحضارة الفرعونية ، وأن المصريين حقاً مُقصرين تجاه تعريف العالم بحضارتهم ، وتقديم المعلومات الصحيحة عنها في المحافل الدولية . 
كانت الكلمات الافتتاحية للمؤتمر، والتي تبعت كلمة " شمس " لا تزيد عن كونها كلمات شكر للكلمة الافتتاحية العظيمة التي ألقاها ، والتي أكسبت المؤتمر البُعد التاريخي على حسب تعبيرهم ، لم يكتفوا فقط بالشكر بل قدموا الدعوة " لشمس " ليكون أحد الأعضاء الفخريين الذين تفخر بهم المنظمة أن يكونوا ممثلين لها .
انتهى افتتاح المؤتمر في يومه الأول ، وعقب الافتتاح اجتمع الحاضرين لتناول الغذاء، جلس " شمس " على مائدة الطعام التي جمعته مع " ميشال وموريس "، ومعهم رئيس المؤتمر ، وكبار الأعضاء يتناولون الغذاء في جو ساده كثير من المحبة والود .

الفصل 4 - شارع رمسيس ج2


بدأ " ميشال " كلامه بعفوية كعادته مع رئيس المؤتمر الفرنسي الجنسية 
ميشال : " مسيو ريمون " أهلاً بكم في بلدكم الثاني بلجيكا، وكم تعلم محبتنا للفرنسيين على وجه الخصوص، لكن مع الأسف دائما تُطلقون النكات على البلجيكيين ، مثلما يفعل سائر الأوروبيين ولا أعلم لماذا  , إن هذا يزعجنا كثيراً .
ريمون : لا تهتم " مسيو ميشال " هذا كلام العامة ، أما نحن المثقفين فلا نهتم لأقوال ليس لها أساس من الصحة ، وكل هذا لا يتعدى كونه فكاهة .
كان " ميشال "  منشغل بحواره مع " ريمون "  الجالس أمامه على المنضدة ، فأقدم على أكل حبة زيتون وكان محبا له ، فوضع الشوكة على حبة الزيتون وفجأة دون قصد قفزت حبة الزيتون في طبق حساء " مسيو ريمون " ، فاندفع الحساء في وجه " ريمون  " فلطخ وجهه .
كان المشهد مفاجأة مذهلة للجميع ، وبقدر ما كان الموقف مثيرا للإحراج خاصة " لميشال وريمون "، كان مثيرا للضحك من جانب الحضور الذين حاولوا كتم ضحكاتهم .
حاول "  شمس " أن يتمالك نفسه من الضحك ، وتذكر كلمة نور عن عفوية البلجيكيين ، وأنهم دائما محور نكات الأوروبيين ، فدائما تصاحبهم المواقف المُضحكة ، بقصد أو بدون قصد منهم .
عقب انتهاء موعد العمل أصر " موريس "على اصطحاب " شمس " إلى " مقهى أم كلثوم "، وكان " شمس " متشوقا لرؤية هذا المقهى ، والاستماع لأغنيات " أم كلثوم " كما لو كان في ليلة من ليالي " مصر  " بشارع " عماد الدين "، جلس الاثنان يتذكران ما حدث " لميشال وريمون " ويضحكون لدرجة جعلت أنظار الحاضرين تتجه إليهما .
شمس : " ميشال " أكد لكل الموجودين أن كل الكلام اللي بيتقال عن البلجيكيين حقيقي 
موريس : إنت لسه شفت حاجة هو ده " ميشال ايليو " مفيش يوم يعدي من غير موقف كوميدي بس المرة دي الموقف هتحكيه أوروبا كلها وحوض البحر الأبيض كمان .
شمس :  " موريس " غريبة إنك بتتكلم مصري كأنك متربي في حواري " مصر " 
موريس : أيوه أنا جدي كان عايش في " مصر " ، كان بيشتغل في " الصاغة " وسافر بلجيكا ، كان متمسكا جداً باللغة والعادات والتقاليد المصرية ، وكمان والدي ، أنا زرت مصر كثير وزى ما أنت شايف، بقضي وقتي هنا مع العرب والمصريين ومُتابع جيد للقنوات المصرية والأفلام والدراما .
عاد ا سويا إلى الفندق ، وكان " شمس " يرغب في مواساة " ميشال " بعد هذا الموقف المحرج , أما " موريس "  فقال له أنه تعب من كثرة الضحك ، ويريد الذهاب إلى النوم ، لكنط  شمس " أصر على الذهاب لمكتب " ميشال " للاطمئنان عليه 
شمس : كيف حالك الآن " مستر ميشال " 
ميشال : أنا مُستاء جداً لما حدث ، الآن جميع الحاضرين من الأوروبيين سيطلقون النكات عني وعن البلجيكيين ، إنه شيء محزن للغاية .
شمس : أرجوك لا تهتم , هذا الموقف يمكن أن يحدث لأي إنسان عن غير قصد 
ميشال : معك حق ما رأيك أن تشاهد معي هذا البرنامج أسمه  " " Boomerang ، إنه البرنامج الحواري الأول في بلجيكا ، وأنا أحب مُقدم البرنامج كثيراً ، هو مذيعي المفضل " إيريك هارتمان " سيتحدث اليوم عن العمليات الجراحية الفاشلة 
شمس : يبدو أن الأخطاء الطبية محور شكوى في جميع دول العالم حتى المتقدمة . 

بدأ البرنامج بقول المذيع " أهلاً بكم ، سنتحدث اليوم عن العمليات الجراحية الفاشلة ، ومعنا ضيوف البرنامج ممن أجروا تلك العمليات ، وهى سيدة حضرت مع زوجها من " دارفور " وسيحدثكم الزوج الآن عن مأساة زوجته  بدأ الزوج في الحديث ، حقاً كانت نبرات صوته غريبة تقول أنه هو الذي يعيش مأساة لا الزوجة , مما جعل المذيع ينفجر من الضحك بشكل جنوني مبالغ فيه , ومثير للضحك أكثر من صوت الضيف الغريب ، فقد كان تصرف المذيع غريب على العمل الإعلامي ، حينها شعر " ميشال " بالإحراج ، أما " شمس " لم يستطيع هذه المرة أن يتمالك نفسه من الضحك .
ميشال : نحن شعب دائما يحالفه سوء الحظ
شمس : لا عليك " مستر ميشال " لتنسَ كل ما حدث اليوم، ولتنسَ مذيعك المفضل أيضاً ، لأنه غالبا سيتم إيقافه عن العمل
مرت الأيام ، و" شمس " يباشر أعماله بين ورشة تقليد التماثيل الفرعونية ، وإعداد اللوحات الإرشادية التي توثق تاريخ كل قطعة أثرية ، ومتابعة قاعة المؤتمرات ، ويختتم يومه بالسهر مع  " موريس  " في  " مقهى أم كلثوم "
وبعد عدة أسابيع عُقد مؤتمر الجمعية الأوروبية لجراحات المخ والأعصاب ، ووفق طبيعة عمل "  شمس " ، كان عليه أن يُلقى كلمة الترحيب وافتتاح المؤتمر ، ليثبت عن جدارة أن كلمته الافتتاحية إضافة لكل مؤتمر يتواجد به . 
شمس : السادة الأطباء الحضور تحياتي وتحيات جميع العاملين " براديسون بلو "، لتشريفكم لنا بعقد مؤتمر الجمعية الأوروبية لجراحات المخ والأعصاب، ومنحنا فرصة المساهمة المتواضعة لخدمة الإنسان في هذا التخصص الطبي الدقيق . 
لقد كانت لأوروبا أياد بيضاء في النهضة العلمية في الطب ، خاصة في أعقاب الثورة الصناعية التي بدأت في القرن الثامن عشر، مما كان له انعكاس كبير على تطور الصناعات الخاصة بالمجال الطبي ، وتطور الآلات والأجهزة الطبية ، وبلغت هذه النهضة ذروتها في مطلع القرن العشرين مع الاكتشافات المذهلة في عالم الأمراض، وهى نفس الحقبة التاريخية التي أصبحت فيها جراحات المخ والأعصاب فرعاً مستقلاً من الجراحة . 
لكن على عكس ما يعرف الكثيرين فجراحات المخ والأعصاب بدأت منذ آلاف السنين قبل الميلاد وليست حديثة كما يظن البعض ، فلم تكف محاولات الإنسان عن إجراء تلك الجراحات بالمخ ، والتي أُجريت في مناطق كثيرة من العالم ، ومع الأسف لم يستمر المريض بعدها على قيد الحياة ، لكن الفراعنة استطاعوا بالفعل التشخيص وتحديد مكان الجراحة ، وإجرائها , واستمر المريض بعدها حياً , وتماثل للشفاء ، تمت الجراحة من خلال عمل ثقب صغير بالمخ مستخدماً أله خاصة لتلك الجراحة . 
ربما يشكك البعض في صدق تلك الرواية ، لكن يؤيد هذا الكلام الجمجمة الموجودة بقسم المصريات بالمتحف البريطاني في صندوق زجاجي مكتوب عليه         " عملية تربنه جراحة من جراحات المخ بمصر القديمة منذ 2000 سنة قبل الميلاد " 



و هذه صورة لبردية توضح المريض موضوع على منضدة العمليات متجردا من الثياب و يقوم الأطباء بعلاجه

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد لتلك الحضارة الضاربة الجذور في أعماق التاريخ ، بل وصل التقدم في المجال الطبي لتحديد الدرجات العلمية والوظيفية للأطباء ، وتحديد التخصص في المجال الطبي ، فكل طبيب يُعالج نوعا واحدا فقط من الأمراض .
بشغف واحترام شديدين كان الأطباء يستمعون لمحاضرة " شمس " التي كانت ترقى لكونها محاضرة تاريخية طبية وليست مجرد كلمة افتتاح
 استكمل شمس كلمته، إن الطبيب في مصر القديمة كان يدعى "  swnwسنو " وهو مسمى للطبيب بشكل عام ، كان يوجد طبيب الأسنان ، والعيون ، والبطن ، والرأس ، وهكذا سائر التخصصات 
كان أشهر الأطباء على الإطلاق هو " حسى رع Hesy-Ra " وكان وزيراً في عهد " الملك زوسر " منذ 2668  ق.م – 2649 ق.م  حيث وجد في مقبرته نقش على لوحة 



" حسى رع "

خشبية يشرح اسمه ووظيفته "  wr-ibḥ-swnw " أي كبير أطباء الأسنان في عهده 
أما التدرج العلمي في مجال الطب فيكون بدرجة طبيب , ثم كبير الأطباء , ثم مفتش الأطباء , ثم مدير الأطباء 
كانت المؤسسات التعليمية موجودة بمصر مثل "pr-cnh  " " بر عنخ "  أو " بيت الحياة " وهى مؤسسة تعليمية بحثية لمختلف العلوم ، ومنها الطب ، أما الطب فانتشر في عدد كبير من المعابد الكبرى كعين شمس في القاهرة ، وتل بسطة بالزقازيق ، وصا الحجر بالغربية ، وأبيدوس في سوهاج ، وكان للالتحاق بمدارس الطب بمصر القديمة شروط هي :-
• التفوق في مراحل التعليم السابقة بما يعنى وجود مراحل تعليمية 
• أن يكون من عائلة ميسورة 
• الإلمام بعلوم الدين والسحر والمعارف العامة 
• اتفق الأطباء على دراسة القلب كأساس في كل العلوم الطبية المختلفة، فلا يوجد طبيب مصري لا يدرس القلب كأساس لعلم الطب 
أختتم " شمس " كلمته الافتتاحية ، ربما نكون قد أطلنا على حضراتكم لكنها نبذه من تاريخ الطب المصري والعالمي أيضاً ، ومحاولات الإنسان الدائمة لخدمة البشرية ، وتخفيف آلام المرضى ، وشكراً لحسن استماعكم 
أنهى كلمته , فطلب رئيس المؤتمر الكلمة ، وكان الطبيب الألماني " اندرياس اونتربرج "، فتحدث قائلاً :
قبل أن أبدأ فعاليات المؤتمر ، وأرحب بالسادة الحضور ، أسمحوا لي أن أوجه الشكر لفندق " راديسون بلو " استضافة ورعاية المؤتمر ، كم أود تقديم بالغ الشكر للسيد " شمس " الذي تفضل بإلقاء كلمة عظيمة جداً ، كان فيها شديد الرقي عندما بدأ بدور أوروبا في النهضة بالمجال الطبي منذ بدء الثورة الصناعية , مرورا بالنهضة الطبية في مطلع القرن العشرين ، وكانت بداية موفقة ، وثق خلالها الجذور التاريخية لاستقلال تخصص جراحة المخ والأعصاب , لدرجة جعلتني أشك انه طبيب متخصص ، مُلم بجذور المهنة ، إلا أن السيد " شمس " اصطحبنا في رحلة طويلة عبر كهف مُظلم في نفق طويل من التاريخ ، جعلتني أرى بعد هذا النفق الطويل نور شمس لا أستطيع معه أن أفتح عيناي من شدة الضوء ، حتى أن عقلي لا يستطيع تصديق أن هذا العلم ، وهذه الدقة ، والتخصص ، والتدرج العلمي ، يرجع لآلاف السنين قبل الميلاد ، ولا أخفي عليكم أنني أُصبت بصدمة فكرية لمعرفة هذه الحقائق ، لدرجة جعلتني أقرر الخروج من المؤتمر لزيارة المتحف البريطاني ورؤية هذه الجمجمة ، إن الفضول يدفعني الآن دفعاً لمعرفة المزيد والمزيد عن تلك الحضارة ، التي أجد أنها ظُلمت ظلماً كبيراً بإغفالها في الكتب العلمية ، والطبية ، وهذا الظلم ليس نابعا من العالم الذي ربما لا يعلم الكثير عنها ، وهو يؤرخ لتاريخ الطب ، بل نابع من أصحاب تلك الحضارة أنفسهم في عدم تعريف العالم بما يكفي بها ، ولهذا يجب أن تُحيوا معي " شمس المصري "، أو " أتن المصري " كما يقول عنه " السيد ميشال " الذي وعدني قبل المؤتمر بالاستماع لمقدمة فريدة من " اتن "، لكن لم أكن أتوقع أن تكون بهذا المستوى المُبهر الذي أضاف للمؤتمر ، شكرا لك " أتن  "
كان " ميشال " في غاية السعادة بنجاح المؤتمر، وكلما مر يوم يزداد حبه "لشمس " حتى أصبح مُقربا له أكثر من " موريس " نفسه ، وكان هذا الحب يزداد بعد كل نجاح يحققه شمس ، ضاعف من هذا الحب انجذابه وانبهاره بالحضارة الفرعونية 

عقب المؤتمر طلب " ميشال " من " شمس وموريس " أن يشاركاه شرب الشيكولاتة الساخنة بالمارشيملو ، احتفالا بخروج المؤتمر بهذه الصورة المُشرفة ، دون أن يحدث أي موقف محرج ، كما أراد أن يشاركاه في هذا التوقيت مشاهدة المؤتمر الهام والمذاع على الهواء مباشرة من القصر الملكي ، حيث سيلقى ملك بلجيكا كلمة هامة ينتظرها الشعب البلجيكي  وكل وسائل الأعلام ، وبالفعل جلسوا  سويا  في مكتب " ميشال " ، ينتظرون كلمة الملك على شاشة التلفزيون . 

وبالفعل انتقل البث المباشر إلى القصر الملكي استعداًدا لإلقاء الملك كلمته .
ميشال : أعتقد أن كلمة الملك ستكون هامة جداً ، وسيتابعها العالم بأسره ، لقد أصبحت الأحداث في العالم كله سريعة ، ومتلاحقة , حتى في بلجيكا نفسها 
موريس : تعتقد ستكون الكلمة عن ماذا ؟  
ميشال : لا أعرف  , لكن بالتأكيد ستكون بالغة الأهمية ، صدقوني إلى الآن لم تأخذ بلجيكا المكانة الحقيقية لها وسط بلدان أوروبا 

بدأ الملك كلمته عبر البث المباشر من قاعة الاجتماعات الملكية ، وفجأة فُتح باب خلف الملك فيفاجأ الملك بل العالم بأسره بدخول ولى العهد ب " روب الاستحمام " ، لقد دخل ولى العهد على سبيل الخطأ لقاعة الاجتماعات بدلاً من الدخول إلى غرفته ، فكان وقع المفاجأة كالصاعقة على الملك , والحاضرين , والمشاهدين .
أخذ " ميشال " يضرب المنضدة بيده , ويدب برجليه على الأرض قائلاً : يا لهذا الحظ العسر , الآن ستحكى أوروبا كلها عن ولى عهد دخل إلى القاعة الملكية ب " روب الاستحمام " سنصبح مادة سخرية لأوروبا بأكملها 
كان " ميشال "  ثائرا بينما " موريس وشمس " لا يستطيعان التقاط أنفاسهما من الضحك
شمس : لا عليك " ميشال "  لقد أراحك اليوم ولى العهد من عناء المواقف المضحكة ,  كما أنه لا يصح أن تكون منافسا له في يوم تاريخي كهذا 
موريس : إن قلبي الضعيف لم يعد يحتمل مزيدا من الضحك , يكفى هذا , سأذهب و شمس"  لمقهى أم كلثوم " 
خرجا من الفندق متجهان إلى المقهى , وفى منتصف الطريق توقف " شمس " فجأة
شمس : أنا مش عايز أروح القهوة , أنا جعان وزهقت من الأكل البلجيكي , أفتكر إنك قلت لي فيه مطاعم مصرية صح 
موريس : طبعا يا حبيبي بس كده يا لا بينا
وفى شارع به عدد من المطاعم المصرية وقف " شمس " يقرأ الأسماء وهو في غاية السعادة، هذا مطعم " كليوباترا "، وهذا " حتشبسوت "، وهذا " توت عنخ أمون "، وفجأة وقعت عين " شمس " على مطعم " رمسيس " فدمعت عيناه اشتياقا " لمقهى رمسيس " و "شارع رمسيس "  بل لمصر كلها 
شمس : موريس تعالى هنا أرجوك في مطعم رمسيس
موريس : لا أرجوك بلاش فيه مطاعم مصرية كثير ، كليوباترا كويس
شمس : وليه رمسيس لأ 
موريس : أرجوك بلاش " رمسيس  " اختار أي مطعم ثاني 
شمس : فيه إيه ؟ فيه مشكلة بينك وبين حد هنا ؟ ، حد مداينك بحاجة قول ما تخافش
موريس : " شمس " بلاش هزار أرجوك بلاش هنا 
شمس : لو ده يزعلك خلاص تعالى نروح " كليوباترا " مش هتفرق عندي كلهم مصريين ، وكلها أكلات مصرية 
صحيح إن هذا الموقف مر بسرعة , لكن " شمس " ملأه الفضول لمعرفة أسباب ضيق " موريس " لهذه الدرجة ورفضه الدخول لهذا المكان ، لكن ربما يكون هناك خلاف بينه وصاحب المطعم ، ربما 

مرت الأيام , ومؤتمر يعقبه مؤتمر، والصداقة تجمع بين " شمس " و" موريس " ، الذي يعتقد " شمس " أنه شاميا حفيدا لجد قضى حياته بمصر ، كان " موريس " حريصاً ألا يتحدث عن جنسيته ولا يتطرق كثيراً للحديث عن عائلته ، فلم يشاهده شمس مرة واحدة يذهب إلى الكنيسة أو يحضر قداس ، ولم يكن لديه من التطفل أن يسأله , فالكثيرين من المسيحيين الغربيين غير متدينين ، ربما يكون واحد من هؤلاء ، حتى جاء مؤتمر حوار الحضارات العربي الأوروبي الذي أقيم في بلجيكا تحت رعاية "راديسون بلو"، وهو المؤتمر الذي اكتشف " شمس " أنه كان صدام الحضارات و ليس حوار الحضارات .

في هذا اليوم شعر " شمس " بالتفاؤل بوجود مؤتمر يخلق حوارا ثقافيا بين العرب والأوروبيين ليصحح الكثير من الأفكار المغلوطة عن الحضارة الفرعونية ,  والإسلامية أيضا ً، كذلك نقل الفكر الغربي المنفتح إلى المفكرين العرب ، ليخلق هذا الحوار فكراً جديداً مختلفاً . 

بدأت فعاليات المؤتمر الذي حضره ممثلون من الدول العربية والأوروبية بالكلمة الافتتاحية "لراديسون بلو" والتي يلقيها  " شمس "  كما جرت العادة 
شمس : السادة الحضور أعضاء المؤتمر ، أسمحوا لي أن أعبر عن بالغ السعادة لعقد هذا المؤتمر بفندق "راديسون بلو" راعى المؤتمر ، آملين أن يخلق هذا الحوار فكراً جديداً , يكون له انعكاساته على حل الكثير من المشكلات الدولية ، وتقريب وجهات النظر بين مختلف الدول العربية ، والأوروبية ، فالعلاقات بين أوروبا والعرب ليست وليدة اليوم ، بل هي علاقات تتسم بكونها ضاربة في أعماق التاريخ ، فالمنطقتين تتمتعان بجذور تاريخية عريقة , وعميقة , ومتشابكة ، فلم تكن الحضارة الأوروبية مجرد تماثيل , ومعابد , ومسارح , بل كانت موسيقى ، وفلسفة ، وأدبا ، ورياضة ، ولم تكن شبه الجزيرة خياما ,  وصحارى، ورعي أغنام ، بل كان بها الشعر , والفروسية , والأخلاق العربية بكل ما تحمله من شهامة ,  وكرم , ورقي ، ورسالة سماوية غيرت شبه الجزيرة ، شهد لها العدو قبل الحبيب ، كما لم تكن مصر مجرد أهرامات شُيدت بأيدي المصريين , بل كانت طبا ,وفلكا وهندسة , وزراعة , وصناعة ، تحياتنا لكم جميعا ، وأمانينا بعالم يسوده المحبة والسلام .

لم يتوقف " شمس "  كثيرا عند الحديث عن الحضارة الفرعونية , فالمؤتمر حوار بين مختلف الحضارات ، لكنها كانت المرة الأولى التي يقف فيها " موريس "  يطلب الكلمة بعد " شمس " ، وقد بدت عليه علامات الضيق .
موريس : تحياتي لكم جميعا ، وتمنياتنا أن يكون هذا المؤتمر بداية لحوار هادف ، وفكر ثقا في مختلف , ينبذ التمييز والإقصاء بين دول العالم ، لهذا دعوني أحدثكم عن حضارة أعلم أنه سيتم تهميشها أو تجاهلها عمداً ، سأحدثكم عن حضارة العبرانيين بُناة الأهرام ، فكم تم تزييف التاريخ عمداً لطمس معالم تلك الحضارة ، حضارة أجدادي التي أريد أن أحدثكم عنها اليوم . 

وقعت الكلمات كالصاعقة على مسامع " شمس " والكثيرين من الحاضرين ، وبهدوء اقترب " شمس "  من " ميشال "  يسأله بصوت منخفض : هل موريس إسرائيلي ؟ فأجابه : اسمه موريس زكريا شاؤول , يهودي الأصل ، فقال " شمس" : أعرفه موريس زكريا , ظننته مسيحيا من الشام ، الآن فهمت , ولكن لتعلم " ميشال  " أنى لن أسمح بسرقة تاريخ بلادي .
ما كان يصح أن يُقاطع " شمس موريس "  أثناء كلمته , لذلك انتظر حتى يُنهى مداخلته التي تحدث فيها عن أمجاد العبرانيين ، وأياديهم البيضاء في بناء الأهرامات , وأبو الهول , بكل عناد وإصرار على تزييف الحقائق ، وما أن انتهى من كلمته حتى وقف "  شمس "  يصحح إدعاءات الإسرائيليين الكاذبة .
شمس : السادة الحضور من تحدث إليكم الآن هو زميلي وصديقي العزيز                " موريس زكريا شاؤول " ، صدقوني حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف اسمه كاملا ً، جمعتني به صداقة قوية ، لكن هذا لن يمنعني من تصحيح بعض الأمور بالأدلة , والبراهين , والحقائق التاريخية التي لا تقبل الشك .

يقول اليهود أو بنو إسرائيل أن تواجدهم بمصر بدأ مع دخول أخوة سيدنا يوسف لمصر، وظلوا بها مدة 460 عام كما تقول النصوص الدينية لديهم، إذن فلا يمكن أن يكونوا متواجدين من الأسرة الرابعة وقت بناء هرم خوفو من  2580 إلى 2566 ق.م ، وحتى الأسرة التاسعة عشر في عهد رمسيس الثاني وهو فرعون الخروج كما يزعمون ، والذي حكم مصر في الفترة من  1303 -1213 ق.م فالفارق الزمني بينهما ما يقرب من 11 قرنا  من الزمان وليس 460 عاما فقط .

يقول المؤرخون أيضاً أن الهرم الأكبر تم بناؤه في 20 عاما , فلماذا لم يقم  العبرانيون في 460 عاما فترة تواجدهم وفق حساباتهم ببناء المزيد من الأهرامات ؟، لماذا أيضا لم نجد بالنصوص والنقوش المرسومة والمتعلقة ببناء الهرم ما يشير إلى العبرانيين أو حتى كلمة عبرية واحدة طالما أنهم هم البناة الفعليين ؟ فكان من السهل عليهم أن يضعوا نقوشا عبرية ،  لكن للحقيقة العلمية أنه وردت كلمة إسرائيل مرة واحدة  بلوحة الملك " مرن بتاح " ابن الملك رمسيس الثاني , وبالبحث تبين أنها لا تعنى بني إسرائيل .
كما يوجد نص للملك أمنحتب الثاني والذي كان في الحقبة من 1427 إلى 1401ق.م يقول فيه جلبت 3600 من الأسرى من العبرو ، والسؤال هنا هل العبرو تعني العبرانيين الذين عبروا نهر الأردن فتم أسرهم ، علماً بأن بني إسرائيل لم يدخلوا أسرى بل دخلوا أخوة ليوسف ، فلو استقرينا أنهم عبروا نهر الأردن للدخول إلى كنعان وتم أسرهم , إذن لم يكن موطنهم فلسطين من الأصل ، علماً بأن تلك الحقبة  -  وهى حقبة أمنحتب الثاني  -  بعد بناء الهرم الأكبر بمئات السنين .
أما فيما يخص بناء الهرم ، فالهرم له مهندس تولى إنشاءه اسمه " حم إيونو " ، تمثاله مازال موجودا بمتحف برلين , ودرس في " جامعة أون " أي " جامعة عين شمس " ، وعلى لوحته يوجد نقش يقول إنه المسئول عن الأعمال الإنشائية في عهد الملك خوفو ، ومعنى " حم " كاهن ومعنى " إيونو " عين شمس ، والسؤال هنا ، في أي حُقبة تاريخية تواجد العبرانيين ؟ وكيف قاموا ببناء الأهرامات ؟ .
كان ما ذكره "شمس" من حقائق تاريخية كفيل بأن يزيد من غضب " موريس"  ، لكنه في نفس الوقت لا يملك دفع حجة " شمس " بحجة تاريخية أقوى منها ، لكن ما لم يتوقعه " شمس" كان من باحث مصري يُدعى " سامر رضا " عندما وقف ثائراً يقول إن قوم عاد هم بناة الأهرامات رغم التكذيب ، أنتم تزورون التاريخ ، فكيف رفع المصري العادي أحجار الهرم ، عليك بإعمال العقل لتعلم أن قوم عاد هم بناة الأهرام ،  كيف للمصري أن يُقطع أحجاراً بهذا الحجم والوزن ,  ينقلها ويضعها بهذه الدقة المتناهية , وبهذا الارتفاع الشاهق ، أين أدوات تقطيعه ، أين أدوات نقله ، إلا لو كانوا بشرا ذوا طبيعة خاصة ، ولنرجع إلى كتاب الله  

‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ‏}‏ ‏[‏سورة الفجر‏:‏ الآيات 6-8‏]‏ 
والعماد هنا الأبنية العالية وهى مساكنهم التي اتخذها المصريون بعد ذلك قبوراً , ووضعوا عليها نقوشهم ونسبوها إلى أنفسهم , أما الدليل أن قوم عاد مصريين        
  
{وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)}.
 تقول الآيات إن عادا كفروا بالله بعد أن وهبهم جنات وعيون فأين تكون جنة الأرض إلا في مصر، إذن هم مصريين ، ومن يُكذب بهذا فهو يُكذب آيات الله  .

الفصل 4 - شارع رمسيس ج3


شمس : حسناً سيدي الباحث إن اجتهادك البحثي تضمن أكثر من إشكالية تستوجب الرد عليها ، وإن أول إشكالية  , أن قوم عاد من أهل مصر ، ودليلك أن الله وهبهم جنات وعيون ، و الرد على هذه الإشكالية أن خريطة الطقس المناخي للأرض قد تغيرت على مدار السنين , فقد كانت شبه الجزيرة العربية مروجاً وأنهاراً قبل أن تصبح أرضاً صحراوية , وذلك بنص حديث رسول الله " لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا "، إذن كانت شبه الجزيرة أرضا خصبة مزدهرة وليست صحراء قاحلة ، وقد مر على الأرض أربع دورات جليدية بينهم دورات دافئة ،  لقد كانت شبه الجزيرة أرضا خصبة خلابة ، بل أن الكثير من علماء الجيولوجيا والآثار والمستشرقين يؤكدون أن رمال شبه الجزيرة تُخفى تحتها آثار حضارات عظيمة وراقية ، ومما يرويه شيوخ شبه الجزيرة عن نسر سيدنا سليمان أنه كان نسرا عجوزا ، فسأله سيدنا سليمان عن الملوك الذين عاصرهم فقال : عاصرت الملك " شداد بن عاد " فقال سليمان : وأين جنته ؟ فأخذه النسر حيث تكون فوجدها مردومة بالرمال فأمر سليمان الريح بإزالة الرمال , فرأى جنة عاد , ثم أمر الريح بإعادة ردمها كما كانت ، ربما تكشف لنا الحفريات يوما عن آثار تلك الحضارات القديمة .

أما الإشكالية الثانية , فهي السؤال الذي طرحته أين أدوات المصريين التي قطعوا بها الأحجار ؟ وبالمثل أين أدوات عاد التي قطعوا بها الأحجار ؟ فكلاهما كان سيحتاج أدوات لتقطيع الأحجار بهذا الشكل المنتظم فهذا ليس دليلاً ينفى عن المصريين بناءهم للأهرامات .

طرحت إشكالية ثالثة ، أن الفراعنة سرقوا أبنية عاد ونقشوا عليها كتاباتهم ، فلماذا لم ينقش عليها قوم عاد أنفسهم ؟ وإذا كانت البرديات ونقوش الجداريات كاذبة فلماذا لم يُكذب كل ملك من ملوك الفراعنة من سبقه , وينسب كل الأعمال التي سبقته إلى نفسه , لنعرف من التضارب أن جميعهم كاذبون ؟ إن الحضارة المصرية لم تكن أبنية فقط ، بل كانت طبا وفلكا وموسيقى وعلوما كثيرة , فهل اكتفى قوم عاد بالبناء فقط , وكان المصريين أصحاب سائر العلوم المختلفة ؟ أم أن الواقع يقول إنها حضارة متكاملة الأركان والعلوم , والدليل على ذلك المومياوات التي تم تحنيطها لم تكن لقوم عاد العمالقة ، بل كانت لبشر ذوي أحجام عادية ، إذن قوم عاد لم يعرفوا التحنيط ، فالمنطق يقول أن العقلية التي استطاعت تحنيط المومياوات لآلاف السنين هي نفسها التي شيدت الأهرامات . 

في تلك اللحظة قطع كلام " شمس "انفعال أحد الحضور المصريين أسمه " محمد عمران " وهو يقول : لا عليك "مستر شمس " لن نقول أن عادا هم بناة الأهرام , لكن الجن هم بناة الأهرام , وهو ثابت بكتاب الله أن سيدنا سليمان قام بتسخير الجن ، ولا أحد ينكر أن الفراعنة كانوا أباطرة السحر ، لا أحد ينكر هذا .
شمس : وكم هرم قام ببنائه الجن ؟، ولماذا فشلت المحاولات الأولى لهم في بناء الهرم حتى انه يوجد هرم غير مكتمل؟ ، وهناك سؤال أخر ، هل للجن أياد بيضاء على كافة العلوم والفنون في مصر القديمة  ؟
السادة والسيدات إليكم المفاجأة التي لا ولن تُصادم العقل بل وتثبت الإعجاز العلمي في آيات القرآن الكريم ، فقد أجريت عدة أبحاث على أحجار الهرم أثبتت أن الهرم تم بناءه من نوعين من الأحجار ، أحدهما أحجار طبيعية موجودة بقاعدة الهرم ، والأخر أحجار صناعية من خلال مزج الطين الكلسي المعالج حرارياً بالموقد ، أي الطين المُنصهر مع الملح , بعدها يتم تبخير الماء منه مما يشكل مزيجاً طينياً ، ثم يُحمل هذا المزيج ويُصب في قوالب خشبية  في المكان المخصص على جدار الهرم لتأخذ شكل الحجر الطبيعي ، أي أن الهرم تم بنائه بحمل الطين وصبه في قوالب كما يفعل عمال المعمار حالياً في مصر ، عندما يحملون " قصعة المونة " ويصعدون بها في بناء العمارات ، وقد نُشرت تلك الدراسات في جريدة التايمز الأمريكية  بعددها الصادر بتاريخ أول ديسمبر2006، كما تقول دراسة أخرى أجراها العالم "ميشال جورج برسوم Michel Barsoum" " أستاذ هندسة المواد بجامعة           " دريكسل " بفيلادلفيا في بنسلفانيا ، ومعه أثنين من زملائه ، قاموا خلال الدراسة بتحليل ثلاث عينات من أحجار الهرم الأكبر ، أثبتت أن النار ظلت موقده  عشرين عاما لتصنيع الخرسانة التي استخدمت في بناء الهرم  من الطين المنصهر، وهى أول خرسانة استخدمت منذ 2500ق.م أي منذ 4500عام وقد نشرت الدراسة في مجلة "Journal of the American Ceramic Society  " ، وهذه الدراسات أكدها عدد من الباحثين منهم البروفسور "     " Gilles Hug  والبروفسور" " Davidovits  ،  والعالم البلجيكي" "Guy Demortier، والبروفسور الفرنسي" " Joseph Davidovits ولإثبات تلك الحقيقة عملياً , أدعو حضراتكم لزيارة الهرم الأكبر , والصعود لغرفة الدفن , ومحاولة تمرير شفرة حلاقة بين الأحجار الداخلية في الغرفة ، أؤكد لكم أنها لن تمر , ومعنى ذلك عدم وجود فراغات بين الأحجار ، أي أنها ملتصقة تمام الالتصاق ، فلو كانت وضعت الأحجار المقطعة متجاورة لما حدث التصاق بينها بهذا الشكل ، إذن هناك مادة جعلت الأحجار تلتصق وهذا مستحيل ، لأن الحقيقة أنها بنيت بكيفية تضمن التصاق الأحجار وهو ما تم من خلال الطين المنصهر ، فوضع الأحجار المتجاورة مع هذا الارتفاع وعوامل الزمن , كان سيؤدي لدفع الأحجار إلى الخارج وسقوطها حجر تلو الأخر , لكن الواقع أنها وحدة واحدة مترابطة ملتصقة بنيت بالطين المنصهر .
تأتى تلك الدراسات لتتطابق مع النص القرآني في قوله تعالى :
  
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٣٨﴾ القصص: ٣٨   القصص: ٣٨
إن القرآن الكريم لم يُصادم يوماً العلم أو الحقائق التاريخية ، بل نحن من نخلق تلك الإشكالية عندما تعجز عقولنا عن تصديق أمور لم نصل لتفسير علمي لها تقبله عقولنا  لقصور العلم لدينا ، فنضع فروضا من وحى الخيال ، ونبحث عن آيات نطوع تفسيرها ليوافق ما افترضناه ، ومن يخالفه نتهمه بمخالفة الدين ، وليس مخالفة ما اجتهدنا فيه نحن .
محمد عمران : عجباً لك أنت وأمثالك ، تدافعون عن الحضارة الفرعونية أكثر مما تدافعون عن الإسلام ، لماذا تصرون أننا أحفاد الفراعنة ، وتتجاهلون الإسلام  وكفى به حضارة ، نحن مسلمون ولسنا فراعنة ، آن الأوان أن نتبرأ من هذه الحضارة العفنة ، وهؤلاء الكفار الذين أهلكهم الله ، ولعنهم بكفرهم ، فكان أولى بنا هدم تلك الأصنام وتحطيمها .
موريس : قال ساخراً، عجباً لكم ، تظنون أنكم تعيشون وحدكم في هذا العالم ، أحرارا بلا قيود ، بلا قوانين دولية تحكمكم ، آثار مصر ليست ملكاً لكم بل هي ملك العالم , يشرف عليها اليونسكو ، وإن كانت تؤرقكم تلك الحضارة العفنة كما تقولون ، لتتخلوا عنها لأصحابها الحقيقيين , أعطوها لمن صنعوها بالسخرة أعطوها للعبرانيين ، نحن أصحاب تلك الحضارة ولن نحطمها مثلكم ، فنحن نعرف جيداً قيمة التاريخ والآثار ، فمن بنى شيئا لا يمكن أن يهدمه ، لو كنتم أصحاب حضارة كما تزعمون لحافظتم عليها وعرفتم قيمتها .
شمس : الملاحظ هو محاولات البعض الجاهدة حتى من المصريين أنفسهم , أن تُثبت بأي حال أن الفراعنة ليسوا أصحاب تلك الحضارة ، حتى وإن نسبوها للجن كما لو كانت عارا يفرون منه ، لقد قال الله تعالى : 
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَوَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْيَظْلِمُونَ ﴿٩﴾

فإن حطمنا آثار من سبقونا في الأرض , فمن أين نأخذ العبرة والعظة ؟  إن الآثار موجودة نتعلم منها التاريخ لنتعظ به لا لنتعبده ، أما دفاعاً عن هذه الحضارة العفنة كما تقول فقد استمرت تلك الحضارة لآلاف السنين قبل الميلاد ، كانت مصر شمس علومها تضيء العالم , وشعب كان مضرب الأمثال في الرقي والانضباط وتقديس كل المعاني الإنسانية ، وأذكر الآن حديث لنبي الله محمد صلى عليه وسلم و هو يقول :  "  خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإسلام إِذَا فَقِهُوا " وأهل مصر كانوا دائماً من خير شعوب الأرض قبل الإسلام , لذلك عندما أسلموا صح إسلامهم وأصبحت مصر منارة لعلوم الدين تمثلت في الأزهر الشريف.
محمد عمران : لا ، أنت تُقول حديث رسول الله تقويلا خاطئا , وتحمله أكثر مما يحتمل , لنرجع لنص الحديث عَنْ  أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قِيلَ : " يا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ ؟ قَالَ : أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ . قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ . قَالَ : فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإسلام إِذَا فَقِهُوا" فالحديث هنا عن معادن العرب , وليس الشعوب ككل لم تكن مصر عربية .
شمس : حسناً المقصد هو معدن الإنسان إن طاب وصلح في الجاهلية صلح في الإسلام ، وإن جعلنا الحديث مخصصاً عن مصر فقد أقر رسول الله أنهم قوم خير  وعلم , فيهم الخير حتى قبل وصول الإسلام لهم فقد روى مسلم في صحيحة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما ، وقال أيضا عليه أفضل الصلاة والسلام : "اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً ،وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ" أخرجه الطبراني في الكبير ، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، نعم كانت مصر قبطية في عهد رسول الله، عندما أوصانا بأهلها ولكن ألم يكن هذا الشعب هو نفسه أحفاد المصريين أبناء مصر الفرعونية، وما ذكرته من أحاديث صحيحة وثابتة .
إن ما حمله المعدن المصري من طيبة وسماحة وخير هو ما جعل المسيحية تنتشر في مصر كأول ديانة سماوية يعتنقها المصريين ويؤمنون بها بوجود الله ، ثم اعتنقوا الإسلام بعد الفتح ودخلوه عن حب وقناعة ، بهذه الروح الطيبة المؤمنة المحبة لله بكل ما تحمله من خير ، وإن كانت الظروف العصيبة التي مرت بها مصر جعلت هناك تغيرات تطرأ على تلك الشخصية المصرية إلا أن معدن المصري يظهر دائماً في الأوقات العصيبة ، أثق أن هذا المعدن لازال باقياً .
سامر : ألا يوجد بالإسلام من حضارة ما يكفى للفخر به ، فأي شرف بعد الإسلام والحضارة الإسلامية ، فلماذا نترك الفخر بالإسلام ونبحث عن حضارة كافرة ننتسب لها .
لكن هذه المرة كان المتحدث باحثا إنجليزيا قال : قرأت الكثير عن الإسلام ، حقاً دين جميل يروي لنا القصص عن الأنبياء والرسل ، يحدد علاقاتك بالآخر، يضع أسس للمعاملات بين الناس ، وجدتها جميعاً أسسا طيبة ، أما أفعالكم على عكس ما هو موجود في كتبكم تماماً ، أجدكم تكذبون , ودينكم ينهاكم عن الكذب ، تسبون , وتقولون أن دينكم ينهاكم عن الشتم والسب ، تسرقون وتقولون أن الإسلام أمركم بقطع يد السارق ، لا تحترمون الوقت , وتقولون أنه أول شيء تُحاسبون عليه بعد الموت ، تستحلون الأموال المُحرمة , وتقولون انه أول شيء يدخلكم النار ، أجد فيكم لغة الغطرسة والتعالي رغم أن دينكم يأمركم بالتواضع ، تغترون بتدينكم وتتهمون الآخرين بالكفر , ثم تنتظرون من الآخر المحبة والتقدير والإيمان بما تعتقدون ، المتدينين منكم ينتهجون التشدد والمغالاة ثم تقولون إن الإسلام دين يُسر لا عُسر ، تهتمون بالمظهر الديني أكثر مما تهتمون بجوهر الدين ، لا تهتمون بالنظافة وتقولون أنها من الإيمان ، تقدرون الأغنياء وتتعالون على الفقراء ، القانون في بلادكم يطبق على الضعفاء ، فهل أنتم حقاً أبناء الحضارة الإسلامية ؟  أرى أن أفعالكم لا تدل على ذلك ، أو أنكم لا تؤمنون بها كما تدعون .
سامر : أذن عليك أن تأخذ بما قرأت و تترك الأفعال الفاسدة
الباحث الإنجليزي : وهل لزاماً على كل إنسان أن يقرأ كتبكم ليكتشف أنه دين يأمر بالخير ، لأن أفعالكم مغايرة تماماً لما ورد في كتبكم  ؟ ألا تشعرون أن أفعالكم هي السبب الأول في الإساءة إلى الإسلام ولنبيكم محمد ؟  حاسبوا أنفسكم أولاً على الإساءة إلى الدين والنبي قبل أن تحاسبوا العالم ، ولا تتوقعوا من الآخرين أن يعمل جميعهم باحثين ومستشرقين ليكتشفوا الحقائق ، فهم يتعرفون على الإسلام من خلالكم .
كانت كلمات الباحث الإنجليزي صادمة لسامر ولغيره من المسلمين بالمؤتمر، فهل أفعال المسلمين تعبر عن كونهم أبناء الحضارة الإسلامية ؟  بالطبع لا، وللأسف كانت كلمات الباحث الإنجليزي في لحظة تبرأ فيها الباحث المصري وغيره كثيرين من الحضارة الفرعونية ، في نفس الوقت الذي لا يمثلون الحضارة الإسلامية ، فبدوا في المؤتمر وكأنهم متجردين من كل جذر حضاري، فمن أين يأتي المستقبل ؟
كان وسط كل هذا الجدل وجها سعيدا مُبتسما ، يشعر بنشوة الانتصار ، إنه         " موريس "، يرى بعينه مصري يُكذب " شمس " ويحاول تحطيم أسطورة حضارته الفرعونية التي يتشدق بها , ويجرد التاريخ المصري من عظمته ، رأى أيضاً المسلمين في عيون العالم بصورة لا تدعوا للتفاخر أو الاحترام ، فما حدث بهذا المؤتمر فاق بكثير طموحاته في رد الصفعة التاريخية والحضارية التي وجهها له     " شمس "، وكان رد الصفعة بيد مصرية ، وكأن لسان حاله يقول شهد شاهد من أهلها .
ابتسم " موريس " وقال " لميشال"  بصوت سمعه " شمس " : حسناً ليسوا أصحاب حضارة فرعونية عظيمة كما يدعون بشهادتهم هم ، وليس حالهم كمسلمين مدعاة للتفاخر بهذا الإسلام الذي يدعون أنه دين الرحمة ومكارم الأخلاق ، الإسلام هذا لن يتعدى كونه أكذوبة صدقوها , وحالهم يعبر عن حقيقة هذا الدين الذي يحمل في طياته العنف والكراهية ، عليهم أن يعرفوا أولاً من هم قبل أن يتحدثوا عن العبرانيين ، اليهود شعب الله المختار .
كاد قلب " شمس " أن ينخلع حزناً وألماً من كلمات " موريس " التي اخترقت مسامعه ، هكذا تحول المؤتمر لصدام حضارات وليس حوار حضارات ، فما كان من " شمس "  إلا أن يستجمع قواه و يأخذ طرف الحديث و ينهى هذا الهراء ويقول :
السادة الحضور أعضاء المؤتمر ، حقاً من ليس له ماض ليس له مستقبل ، فعلينا أن نعرف من نكون ، لنعرف ماذا نريد أن نصبح ، إن كنا فراعنة فالحضارة الفرعونية مليئة بالقيم والمثل العليا ، فلنتعلمها جيداً لأنها ستغير كثيراً من شكل الحياة في مصر ، وإن كنا مسلمين فعلينا أن نتبع هدي النبي محمد في معاملاته وخلقه ، وإن ظللنا على ما نحن عليه فلن نكون إلا عدة ملايين من البشر بلا ماض وبلا مستقبل ، وهكذا سائر الحضارات تحمل من القيم والأخلاقيات ما يجب التمسك به ، أما عن الدين فإنني أذكر قول صديقي المسيحي بمصر إن الديانات تتوافق ولا تتطابق ، خالص الشكر والتحية لكم جميعاً . 
انصرف " شمس " سريعاً من القاعة يملؤه الغضب والحزن ، كيف مرت كل هذه المدة لم يكتشف فيها حقيقة " موريس " صديقه ، وكيف تُهان الحضارة المصرية الفرعونية بهذا الشكل في محفل دولي بأيد مصرية ، بل كيف يصبح المسلمين بهذا الشكل السيئ في أعين العالم ، ويكون أول من يسعد بهذا كله هو " موريس " ، هل استغنى المصريون بهذه السهولة عن حضارتهم ، حقاً إنها كوميديا سوداء ,. فإسرائيل تلهث وراء آثار لها في المنطقة لتمنح نفسها مبررا وسندا تاريخيا وحقا مكتسبا ليس في فلسطين فقط بل من النيل إلى الفرات ، ونحن بكل بساطة نمنحهم تلك الحجة ، غير مكترثين بالعواقب ، ثم نتباهى بكوننا مسلمين ونحن نُقدم الإسلام في أسوأ صورة ، كأننا نقول للعالم هذا هو الإسلام ، فأي مجنون هذا الذي يتبع أو يحترم دينا أصحابه على هذا الحال ، نعم لن يعمل الجميع باحثين ومستشرقين كما قال الباحث الإنجليزي ، هكذا كانت الأفكار تتصارع في عقل شمس والألم يعتصر قلبه .
لكن ما حدث بالقاعة لم يكن كافياً ليشعر " موريس " بنشوة الانتصار ، بل أراد التطلع في عين " شمس " لتزداد سعادته بما يراه من ألم وحسرة وضيق .
ذهب " شمس " إلى مكتبه تاركاً القاعة بعد صدام الحضارات وتلك النقاشات الساخنة ففتح " موريس " الباب و قال له : شفت ازاي حتى كتابكم المقدس ب ينفي إن الحضارة المصرية من صنع الفراعنة ، علشان تتأكد من صدق كلامي ، وإني كنت على حق يا ابن عمي .
شمس : و من إمتى يا "  موريس "  أنتم مؤمنين بالقرآن أو حتى بالإسلام ؟  وأفتكر إني رديت على الباحث اللي أتكلم بالعلم والمنطق ، وعلى فكره اللي قاله الباحث ده اسمه استدلال مش نص قاطع ، مجرد استدلال خاطئ ، ورديت عليه ، أنا مؤمن بالقرآن وعاشق للإسلام وفخور به ، وبالنسبة لفرعون الخروج فأنا مؤمن إن فرعون طرد موسى من مصر وفق ما ورد بالقرآن ، لكن أيضا القرآن لم يذكر اسمه .
موريس : الفرعون هو " رمسيس الثاني " 
شمس : النهارده بس فهمت ليه كنت رافض إننا ندخل مطعم " رمسيس " ، لأنه فرعون الخروج ، إنت رافضه حتى لو كان مجرد اسم لمطعم ، رغم إنك مش قادر ترد على كلامي ، فيه 11 قرن فرق من الزمان بين بناء الهرم وبين " رمسيس الثاني " 
موريس : أيوه  " رمسيس " طرد اليهود من مصر زي ما عمل " عبد الناصر " تمام
شمس : " عبد الناصر " ما طردش اليهود من مصر ، بدليل انه فيه عائلات يهودية لغاية  النهارده  عايشة في مصر ، رفضوا يهاجروا لحبهم لمصر ، قابلتهم أثناء رحلات ليهم في المتحف المصري ، والحقيقة إنه سفر جدك من مصر أكيد كان بناء عن طلب المنظمة الصهيونية ، علشان تسيطروا على صناعة الماس في بلجيكا اللي بالفعل النهاردة تحت إيدين اليهود ، يعنى جدك قام بالدور المطلوب منه بالضبط .
في هذه اللحظة دخل " ميشال " الذي كان يخشى من احتدام الخلاف بين              " شمس"  و" موريس "، فكلاهما صديقه وكلاهما لا يستغني عنه " راديسون بلو "، وكان من الضروري أن يعبر بهما إلى منطقة التصالح لصالح العمل ، فأستكمل " شمس " كلامه بالهولندية لكي يفهم " ميشال " حوارهما .
شمس : " شاؤول " لماذا أخفيت عني أنك يهودي ؟
موريس : الآن أصبحت " شاؤول " وليس " موريس " صديقك ، حسناً، أخفيت لكي لا يحدث ما حدث بيننا الآن وأنا أحبك ، " ميشال " يعلم جيداً أني أحبك ، لهذا طلبت منه ألا يخبرك أني يهودي ، مع الأسف أنتم تنبذون الآخر ، لا ترون أنفسكم على حقيقتها ، أنتم فقط من ترون دينكم يدعوا للمحبة والتسامح بينما تُصدرون العنف والإرهاب للعالم كل ه، فكل كلمة ذكرها الباحث الإنجليزي حقيقة لا تملكون تكذيبها .
شمس : الباحث الإنجليزي قال أن هناك تباين بين ما يدعو له الإسلام وبين أفعال المسلمين ، وهذا يُسمى الفرق بين النظرية والتطبيق ، ديننا لا ينبذ الآخر ، عندما قال لنا القرآن أن موسى نبي الله قلنا آمين ، وعندما قال أن فرعون أضطهد اليهود وأخرجهم من مصر قلنا آمين ، نعم اختلفنا حول الحقبة التاريخية لخروج اليهود وإدعائكم بناء الهرم ، لكن لم نُكذب ما رواه القرآن ، وعندما قال لنا القرآن أن المسيح ابن مريم العذراء قلنا آمين ، وعندما أمرنا ديننا أن نؤمن بكل الأنبياء والرسل قلنا أمين ، لم ننبذ اليهودية ولا المسيحية ، لم نتهم ، لم نسخر ، لم نتهكم ، لم نشكك ، أما عن الإرهاب الذي نصدره فلتبحث عن مُموله ، ستجد أموالكم مصدر تمويل لضعاف النفوس والإيمان ، وعندما تحب أن ترى مظاهر الإرهاب فلتشاهد ما حدث بصبرا وشاتيلا و دير ياسين وغيرها من المذابح بالأرض المحتلة ، فماذا يكون الإرهاب إن لم يكن هذا هو الإرهاب .
موريس : نحن ندافع عن وطننا الذي قمنا باسترداده بعد أن سُلب منا .
شمس : مع الأسف ، كنتم شعب الله المختار ، فعصيتم ، فعاقبكم الله بالذلة والمسكنة والشتات ، وغروركم صور لكم أنكم فقط من عرف الرب ، والحقيقة أن هناك من البشر من عرفوا الرب أكثر منكم ، وصدق إيمانهم فكانوا أكثر منكم محبة وسلام وتسامح ، الإيمان الصادق لا يمكن أن يقود الإنسان إلى العنف والغل والحقد ، والآن تريدون من العالم بأسره أن يدفع ثمن جحودكم وقتلكم الأنبياء بغير حق ، بدلاً من أن تكفروا عن خطاياكم ، وأنتم تعلمون هذا .
ميشال : " موريس " أرجوك كفاك نقاشا واذهب إلى مكتبك ، وأنت يا " شمس " أرى أن الإجهاد أصابك ، اذهب إلى غرفتك الآن لتستريح .

الفصل 4 - شارع رمسيس ج4

عاد " شمس وميشال " إلى عملهما ، وبعد أسبوع عزم " ميشال " على السفر إلى بروكسل مرة أخرى بناء على طلب محامي العم ، لكن هذه المرة لم يطلب             " شمس " منه مرافقته في سفره ، بل تمنى له فقط رحلة موفقة والعودة بسلام .
وبعد عودته من السفر وعلى غير العادة اتصل " بشمس " وأبلغه بدعوته له على العشاء  - بعيداً عن فندق " راديسون بلو " -  في أحد المطاعم المُطلة على نهر              " شيلد " حيث تقع " إنتويرب " على الضفة اليُمنى من النهر، حضر لمقابلة               " شمس " وهو يحمل بيديه رسما هندسيا ، وتبدو على ملامحه سعادة بالغة .
ميشال : افتقدتك كثيراً صديقي العزيز، لكنها المرة الأخيرة التي سأفارقك فيها لأننا سنظل سوياً طوال العمر
شمس : وأنا أيضا افتقدتك ، يبدو أنها كانت رحلة موفقة
ميشال : نعم ، موفقه جداً ، انظر لهذا الرسم الهندسي ، إنه سبب سعادتي ، سافرت إلى بروكسل لمقابلة محامي عمي لإنهاء إجراءات استلام التركة ، وهى مليارات، لكن أعمال عمى التجارية لا تروق لي ، ولا أفهمها كثيرا ً، أنا أحب السياحة ، لذلك سأقوم بتصفية الكثير منها ، وبيعها بالمزاد العلني ، واستغلال الأموال في مشروع كبير جداً ستشاركني فيه العمل ، وقد بدأت فعلا في إجراءاته 
أخرج " ميشال " من جيبه ورقة وأعطاها " لشمس "، وقال له اقرأ هذه ، نظر فيها فوجدها ترخيص لبناء فندق حلال 
شمس : فندق حلال ، لا أفهم شيئا  ,  ما معنى فندق حلال
ميشال : دفعت 1500 يورو للحصول على هذا التصريح لبناء فندق حلال ، هل تذكر الويسكي و الفودكا الحلال 
شمس : أكيد مشروبنا المفضل الآن
ميشال : الفندق الحلال لن يقدم إلا مشروبات حلال ، ولن يسمح بمنح غرفة لنزيل مع صديقته , فيجب أن تكون زوجته ، وعندما يدخل النزيل المسلم إلى الغرفة سيجد مصحفا وسجادة صلاة ومسبحة , وخريطة تدله على اتجاه القبلة ، أيضا سنستبدل صالة " الديسكو " بقاعة للموسيقى العربية ، مثل أغنيات " أم كلثوم " التي يعشقها العرب بل اليهود والغرب ، ورقص " التنورة " الذي يبهرنا نحن الأوروبيين ، لكن الأهم من ذلك كله هو حلمي "متحف المصريات " 
ضحك " شمس " وقال له : إذن سنوجه دعوة للسفارة المصرية في الافتتاح
ميشال : نعم ، لكن دون وجود آثار مسروقة ، سيكون مدخل المتحف في مبنى مجاور للفندق فمساحة الأرض كبيرة جداً ، وستكون الواجهة على شكل معبد أبو سمبل ، سنقوم أيضاً بإنشاء مطعم عائم ، باخرة على شكل مركب فرعوني تتجول في " نهر شيلد " ، حيث سيكون الفندق ، فهو على ضفة النهر ، وهذا الرسم لقطعة الأرض التي اشتريناها بالفعل .
شمس : أنه حلم رائع وجميل ، لكن فكرة فندق حلال فكرة صعبة التطبيق هنا رغم مثاليتها
ميشال : على العكس تماماً ، فمن سيأتي لهذا الفندق سيعيش حياة الشرق بكل ما فيها ، ونحن كسكان " إنتويرب " مُلتزمين دينياً ومتحفظين أيضاً ، عكس أقاليم أخرى ، كما أن هذا الفندق سيجتذب مُسلمي أوروبا ، فمثلما تُقدمون الخمور في فنادقكم بمصر رغم أنكم لا تشربوها ، فنحن سنمنعها في الفندق رغم أننا نشربها، صدقني أنه مشروع ناجح جداً , وجذاب لمُحبي الحضارة الفرعونية والشرقية , والإسلامية أيضا ً، وقد اخترتك لتكون المدير التنفيذي لفندق " رمسيس " .
شمس : " رمسيس " ؟! ، معنى هذا أن موريس لن يعمل معنا ، أنت تعرف موقفه من هذا الاسم ، وهذا الملك
ميشال : العظيم ، أسمه الملك العظيم ، هكذا نُسميه نحن ، هو وعدد قليل من ملوك الفراعنة أطلق عليهم لقب العظيم ، أولاً لا يصح أن يترك جميعنا هكذا إدارة          " راديسون بلو " فجأة ، فقد رشحت موريس ليكون مديراً عاماً " راديسون بلو "، وتلقيت الموافقة منذ قليل ، ثانياً الحضارة الفرعونية والإسلامية حضارتك أنت وليست حضارته هو  ، ثالثاً إن ارتباطي بك أقوى بكثير من ارتباطي به ، رغم الفترة الزمنية القليلة مقارنة بفترة عملي معه ، ولا أنكر أنه أفضل مدير مالي عملت معه 
شمس : شكراً لك محبتك لحضارتنا الفرعونية والإسلامية المظلومتان دائما
ميشال : لا تشكرني ، الشكر لك أنت و" لنور " فمنكما عرفت عظمة التاريخ الفرعوني ، وسماحة الإسلام ، والآن علينا العودة " راديسون بلو " لنأخذ حقائبنا وننتقل إلى مسكننا الجديد لمباشرة أعمالنا في المشروع الجديد
شمس : وأين المسكن الجديد
ميشال : اشتريت منزلين متجاورين ، وسيكونان ثلاثة قريباً جداً ، فلم أنس عمل فرع لسلسة مطاعم المحروسة التي يملكها  " نور " بمصر ، لتقدم الأكلات المصرية بالفندق ، فقد أحببت كثيراً الأطعمة التي تناولتها في مطعم " نور " ، وبهذا أضمن وجود ه معنا من آن لآخر .
شمس : أنت رائع ومخلص " ميشال "
عادا سويا  إلى الفندق ، وطلب " ميشال " من " موريس " الحضور إلى مكتبه ، وكان " شمس "  موجوداً في مكتب " ميشال "
ميشال : " موريس " تعلم أنني سافرت لاستلام التركة ، لكن أعمال عمي التجارية لا تناسبني ، فقررت استثمار تلك الأموال في بناء فندق كبير ، لعلها بداية لسلسلة فنادق عالمية ، وبالفعل حصلت على تصريح فندق حلال لجذب السياحة العربية والإسلامية ، وقد اخترت " شمس " ليكون المدير التنفيذي لفندق " رمسيس " .
موريس : " رمسيس " ؟! إذن أنتما لا تريداني معكما طالما أنه " رمسيس "
ميشال : لقد ادخرتك لعمل أكبر وأهم ، فأنت الآن المدير العام " لراديسون بلو "، لقد تلقيت الموافقة منذ قليل .
موريس : اتفقتما دون علمي ، وأصبحت أنا الغريب ، أنا العدو ، أنا من لا مكان له في عالمكما ، بعدما كنا صديقان لا يفترقان أنا وأنت ، أصبحت أنا الغريب الآن بفضل وجود " شمس "
نظر " موريس " إلى " شمس " والغضب يتطاير شرراً من عينيه ، فلأول مرة تظهر مشاعر " موريس " الحقيقية ، لأول مره يُكشر عن أنيابه ويطلق عنان لسانه ليبوح بما في صدره تجاه"  شمس " والمصريين , بل تجاه العرب والغرب والعالم كله .
موريس : تباً لكم عندما تفكرون ، وتباً لكم عندما تقرءون وتتعلمون ، وتباً لكم عندما تعملون ، تجعلوننا خارج حسابات هذا العالم ، لذلك نُصدر لكم كل ما يشغلكم عن التفكير ، حتى وإن كانت " المزرعة السعيدة " ، لكي نبني مجد اليهود ، نعم هو خطأي أنا عندما جعلتك صديقاً لنا ، جعلت لك مكاناً في  " راديسون بلو "، لم أُدبر لك المكائد ، لم أحطم أحلامك ، لم أهدم عملك ، ففعلتها أنت معي ، أنتم لا أمان لكم ، وأنت " ميشال "، حبكم لنا زائف ,  ما أسرع زواله عندما تجدون البديل .
شمس : أي مجد الذي يُبنى بتحطيم الآخر وإفساده ، أي مجد ، الأمجاد والحضارات تُبنى على القيم والفضائل ، لا على المكائد ، فأي مجد تكون أحد أدواته " المزرعة السعيدة " ، والمواقع الإباحية التي يدشنها الموساد الإسرائيلي ، وتجارة الرقيق الأبيض التي تديرونها عبر العالم ، والمخدرات ، والسلاح ، أي مجد الذي تتحدث عنه
موريس : مجد دولتنا إسرائيل 

شمس : أي دولة هذه ، ما هي إلا قطعة أرض مُغتصبة بوعد ظالم ، أعلنتم به قيام دولتكم ، وأطلقتم العنان لرصاصاتكم ومجنزراتكم ، تُبيدون وتستحلون دماء وأعراض أصحاب الأرض الحقيقيين ، الأرض أرضنا ، أرض فلسطين العربية .
موريس : هذا كل ما تستطيعون فعله ، تشجبون وتستنكرون ، يوماً أو يومين  ، ثم تعودون للعبة " المزرعة السعيدة "، وإن مللتم منها ارتدتم تلك المواقع التي تقول عنها أنها تُدار من قِبل الموساد ، أليست الحرب خدعة كما تقولون ، ونحن لم نُجبر أحدا على شيء ، بل أنتم المتعطشون للمزرعة السعيدة ، والحسناوات ، والمخدرات ، والمجون ، والسلاح الذي تُبيدون به بعضكم البعض ، فنستريح نحن ونستطيع العيش في أمان لنبنى حضارتنا وأمجادنا .
شمس : تعترف أنكم تدمروننا وتقول على سياسة التدمير حضارة ، ثم تتهمننا نحن أننا لا أمان لنا وأننا خطر يُهدد العالم بأسره ، فأي منطق هذا 
موريس : منطق الثأر ، واستعادة الحقوق ، بالأمس شيدنا لكم الأهرامات بالسُخرة ، استعبدتم اليهود ، ثم شردتموهم وأخرجتم موسى واليهود من مصر ، وهتلر أحرق اليهود ، وعبد الناصر طردهم وأمم أموالهم ، أقسمنا أن نستعيد حقوقنا ، ونبنى دولتنا ، وسنبنيها بكل وسيلة ، وبكل الأسلحة الشريفة والقذرة سنبنيها ، وإن كان على أشلاء الأعداء مثلما شردنا العالم وأحرقنا .
شمس : لا فائدة من الجدال والنقاش ، لا فائدة من إقناعك بكل الحجج التاريخية ، إن أغلب ما تؤمنون به هو افتراءات من نسج الخيال ، فلم يثبت أنكم بناة الأهرام ، ولا أُنكر أن فرعون طرد اليهود من مصر ، وعبد الناصر لم يطرد اليهود ، ولازال منهم من يعيش آمنا حُرا طليقا عاشقا لتراب مصر ، رفض مغادرتها ، وأي مجد لا يبنى على القيم لا بقاء له .
موريس : كلام الضعفاء ، وسنثبت للتاريخ أن مجد اليهود هو الباقي 
شمس : لن أُطيل الجدال معك ، لكن سأقول لك شيئاً واحداً   إذا أرادت الذئاب أن تحيا فلتتصارع السباع ,  سأكررها لك   إذا أرادت الذئاب أن تحيا فلتتصارع السباع   وهكذا تحيون الآن تجعلوننا نتصارع ، لكن أعلم أن أي حرب لابد لها من مُنتصر وسوف تفيق السباع يوماً , وقتها لن تجعل للذئاب مكاناً عندما تدرك حقيقة الخديعة ، وهكذا أردتم أن تكون نهايتكم .
موريس : نحن شعب الله المختار ، فلن تكون لنا نهاية بل نهايتكم أنتم
شمس : وهذه هي المشكلة تخيلتم أنكم وحدكم من تعرفون حقيقة الرب ، تخيلتم أن الله لم يهد أحدا غيركم ، وأنه اصطفاكم على سائر البشر ، عصيتم ، تمردتم ، قتلتم الأنبياء بغير حق ، فكتب الله عليكم الشتات في الأرض ، ليعذبكم بذنوبكم ، والحقيقة أن الأرض جاءها من يعرف حقيقة الرب أكثر منكم ، فكان أكثر منكم خشوعاً وإيماناً وطاعة ، ولا زلتم تتخيلون أنكم المؤمنين الوحيدين على هذا الكوكب ، النهاية ليست نهايتكم فقط ، بل نهاية كل إنسان يتخيل أن الله لم يهد أحدا غيره ، فيعيث في الأرض فساداً ، يقتل ، ويسفك الدماء ، ويقسم الناس إلى مؤمنين وكفار ، ويحاسب البشر وكأنه الله ، يملك مفاتيح الجنة والنار ، منهجكم واحد وإن اختلفت العبارات والمسميات ، انتهى النقاش ، وهذا فراق بيننا إلى الأبد .
ميشال : مع الأسف " موريس " ، أنت لم تحسن الظن بنا ، لقد عرف " شمس " هذا الأمر منذ ستين دقيقة فقط ، فلم أرتب معه شيئا ، لقد كان الأمر مفاجأة لم يتوقعها ، والأمر كله كان حلما أحلمه منذ سنوات ، والآن جاءتني الفرصة لتحقيقه ، بل إن " شمس" نبهني أن اسم " رمسيس " سيغضبك ، لكن ليس من الشرف المهني ترك  " راديسون بلو " عرضة للانهيار فجأة ، و" شمس " لن يكون على قدر إلمامك بالعمل في  " راديسون بلو "، كنت أتمنى أن نظل صديقين إلى الأبد ، لكنك قضيت على هذه الصداقة بشكك وسوء ظنك ، كما أتمنى لك التوفيق في عملك الجديد .
مضى عامان و" شمس " يعمل مع " موريس " بكل طاقته في الإشراف على بناء     " فندق رمسيس " ، و " متحف المصريات " ، و " مركب الشمس "  ، حتى أصبح الفندق تحفة معمارية تجمع بين الطابع الفرعوني والإسلامي ، فكان كل ركن فيه كأنه مُعبر عن حُقبة تاريخية من تاريخ مصر ، فبدا المدخل وكأنه أحد المعابد المصرية ، بينما الغرف بعضها يحمل الطراز الفرعوني والبعض الآخر يحمل الطابع الإسلامي , وبه شرفات المشربية ، أما المقهى , فبدا وكأنه سبيل السيدة نفيسة ، والبازار كأنه شارع المعز ، والمتحف مُصمم ليكون نموذجا مُصغرا من معبد أبو سمبل ، عامان من العمل والجهد والمشقة ، حتى أصبح " فندق رمسيس " أسطورة تتحدث عنها " إنتويرب " بل بلجيكا كلها ، وانهالت عروض الحجز على الفندق حتى قبل الانتهاء من التجهيزات النهائية قبل الافتتاح كمؤشر ينذر بنجاح العمل وبدايته القوية .
وفي بداية شهر إبريل 2014، حضر " ميشال " إلى الفندق متأخراً عن موعده ، يحمل في يده تذكرتين سفر إلى القاهرة ، فقدم واحدة " لشمس " فما أن رآها حتى طار فرحا ً، أخيراً سيزور مصر بعد تلك السنوات ، أخيراً سيرى عائلته وصديقه " نور " ، ويسير في شوارع القاهرة ، ويزور آثارها التي انقطع عنها سنوات ، كانت تلك التذكرة أعظم هدية أُهديت له في حياته ، لكن كانت المفاجأة عندما أخبره          " ميشال " أنه لن يُسافر وحده , بل هي رحلة استجمام لهما قبل بدء الافتتاح ، لتجمع الثلاث أصدقاء معاً ، في مصر " نور وشمس وميشال "، قبل بدء رحلة العمل الشاق في  " فندق رمسيس "  .

وعلى " مقهى رمسيس "بالقاهرة جلس " شمس ونور " ومعهما " ميشال "، يشربون أكواب الشاي بالنعناع ، كانت الساعة تشير إلى الخامسة عصراً ، الموعد المُعتاد للقاء " شمس ونور " بهذا المقهى كعادتهما قديماً قبل السفر إلى بلجيكا ، كان الثلاثة يتبادلون الحديث ، وفجأة قطع حديثهم ارتفاع صوت التلفزيون الذي يبث نشرة أخبار الخامسة ، التي يُلقيها التليفزيون المصري يقول : أهلا بحضراتكم وإليكم نشرة أخبار الخامسة ، ليوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر إبريل  2014، ونبدأ بأهم الأنباء ، أعلن وزير الآثار المصري عن استعادة مصر عددا من القطع الأثرية المصرية ، جميعها من مسروقات المتحف المصري ، حيث تم استعادة بعضها من مصر ، والبعض الأخر من بلجيكا ، حيث شوهدت في إحدى صالات المزادات ، وتم العمل على إعادتها إلى مصر ، ولازال العمل جار على استعادة بعض القطع من ألمانيا , والولايات المتحدة الأمريكية ، وسيتم الإعلان عنها في الأيام المقبلة
شعر " شمس " بسعادة بالغة ، فلا زالت رحلة البحث عن الآثار المنهوبة لم تتوقف ، كما شعر " ميشال " بالفخر لتعاون بلجيكا المُستمر لإعادة التراث إلى أصحابه . 
كانت مصر تستعد لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أقل من شهر لتبدأ مرحلة جديدة مع رئيس التف حوله الغالبية العظمى من المصريين ، لذا كانت نفس " شمس " تُحدثه بالبقاء في مصر ، فأطلق العنان للسانه ليبوح بما في نفسه   " لميشال ونور"  
شمس : حاسس برغبة في البقاء في مصر، أعتقد المرحلة القادمة هـ تكون مختلفة والسياحة هـ تنتعش مرة تانية
نور : مش بالسرعة دى يا " شمس " ، لسه قدامنا كثير لغاية الأمور ما تستقر في مصر أحنا مش عارفين الأيام مخبيه إيه ، خصوصاً أن عملك مُرتبط بالإرشاد السياحي . 
ميشال : لي رأى مُختلف عنكما ، يتلخص في الهدف الذي أنشئ من اجله فندق رمسيس ، لقد نسيتما الهدف
نور : وما الهدف " ميشال " 
ميشال : تغيير الصورة السلبية للغرب عن العرب والمسلمين ، وتعريفهم بالتاريخ الفرعوني دون تحريف أو تزييف ، أم أنك نسيت الهدف يا شمس وسط مشاغل الحياة 
شمس : لا يمكن أن أنسى لكن شوقي لمصر يغلبني
ميشال : أعتقد أن مصر تحتاجك في الخارج أكثر ، مصر تحتاج الكثير من سفراء النوايا الحسنة ، ليست مصر فقط بل الإسلام أيضاً الذي لا يعرف الكثيرين حقيقته السمحة ، علينا أن نستكمل مسيرتنا ، ورسالتنا معاً  " نور  وشمس وميشال "  فبدونكما لن يكون هناك فندق رمسيس ، القضية قضيتكما وأنا آمنت بها فلا تتركاني وحدي ، ودافعوا عن حضارتكما ودينكما .
شمس : بالنسبة للحضارة الفرعونية فهي حقاً حضارتنا، أما الإسلام فهو ديني أنا وحدي لأن " نور " مسيحي 
أصابت الدهشة  " ميشال " ، دهشة وصلت لحد الصدمة فقال بصوت عال مُتعجبا : كيف ؟ لم يبدو عليك أنك مسيحي .
ضحك " نور " وقال : وكيف سيبدو علي أنني مسيحي، هل للمسيحيين أشكال مختلفة يعرفهم الناس بها
ميشال : لقد قلت لي قبل سفر " شمس " أن أضع له مُصحفا وسجادة صلاة ومسبحة في غرفته .
نور : " شمس " جاري وصديق عمري ، أعرف مدى تدينه , ومواظبته على الصلاة , وقراءة القرآن , فأردت ألا أُشعره بالغربة 
ميشال : إذن لماذا كنت ترفض أن تشرب معي الخمر , أو تذهب معي للملاهي الليلية ، أنت تفعل مثل " شمس "
ضحك " نور " وقال : فيه إيه يا عم " ميشال " واحد " شماس " وأبوه " قسيس " هتجرجره وراك في الملاهي الليلية , وتسقيه خمرة , عايز تفضحنا على آخر الزمن ، الناس تقول أبويا ب يربي ولاد الكنيسة , ومش عارف يربي ابنه ، ما تفهمه يا شمس
شمس : " ميشال "  صديقنا العزيز ، والد نور " قسيس"  , ونور " شماس " ، مسيحيين مُلتزمين لا يفعلون هذه الأشياء
أخذ " ميشال " يضرب المنضدة بيده , ويدب الأرض برجليه متندماً أن " نور " لم يخبره أنه مسيحي حتى لفت أنظار زبائن المقهى له 
ميشال : أوه .. أوه .. أوه ، أنا حزين ، حزين جداً لماذا لم تخبرني " نور " بهذا
نور : فيه إيه يا عم " ميشال " فرجت علينا القهوة مالك ، ماله يا " شمس " زعلان ليه إني مسيحي ؟ ، هو أسلم ولا إيه ، وبعدين ما انت صاحبي ومسلم ، إيه مشاكله مع المسيحيين مش فاهم
شمس : ميشال ما سبب حزنك ؟
ميشال : لقد صممت الفندق على الطراز الفرعوني والإسلامي فقط . وليس به أي طراز مسيحي
نور : بس كده خلاص ... خلاص هـ اعملك متحف مسيحي لما أسافر بلجيكا
ميشال : " شمس " أنت مسلم و " نور " مسيحي فما الفرق بينكما ؟
نور : الفرق انه أنا مسلم وهو مسيحي ، قصدي أنا مسيحي وهو مسلم ، واحد مسيحي والثاني مسلم
شمس : أي نوع من الاختلاف تقصد " ميشال " ؟
ميشال : تتصرفون بنفس الطريقة ، لكما نفس الخلق ، ترفضان الخمر ، والمجون ، لكما نفس العادات والتقاليد فما الفرق ؟
شمس : الفرق في العقيدة , له عقيدته ولى عقيدتي ، خلاف هذا لا يوجد فرق
ميشال : حقاً أنتما حالة فريدة ورائعة ،  فهل يوجد مثلكما في مصر ؟
نظر " نور"  إلى " شمس " باندهاش وأنفجر من الضحك , وقال له : ده تايه ده ولا إيه ؟
ثم نظر إلى " ميشال " وقال له : هي دى مصر يا " ميشال " ، إنت في مصر ، وهذه هي مصر مسلم ومسيحي الفارق بينهما تعرفه عندما يذهب المسلم للمسجد والمسيحي للكنيسة ، أما جوهر الإنسان واحد
شمس : " ميشال " صديقي , مسيحيو مصر مختلفين تماماً عن مسيحيي الغرب
ميشال : أوه، أنا سعيد ، سعيد جداً بكما لكنني حزين لعدم وجود تراث مسيحي بالفندق
عامل المقهى : فيه حاجة يا أستاذ نور ، لو الخواجة تعبان نوديه على المستشفى القبطي جنبنا ، أحنا ولاد بلد بردوا , ونحب نكرم ضيوفنا
نور : لا أبداً هو متأثر شوية بس من اللي بيحصل في البلد , خواجة بقا وقلبه ضعيف ، تسلم يا عماد يا أبو الشهامة 
ميشال : " نور "  ,  هذا وعد منك سنبنى متحفا مسيحيا
نور : أكيد سأبني لك متحفا عن رحلة العائلة المقدسة في مصر ، ثم قال                " لشمس "  :  كفاية كده وياللا نمشي من هنا قبل ما يقولوا إننا خاطفينه ، إنت السبب كان كويس قبل ما تعرفه
شمس : أنا سعيد ،  سعيد جدا ً، لأننا لن نفترق
نور : أوه  ,  أوه  , أوه ,  أنا حزين ،  حزين جداً لأن لدي أجن صديقين في العالم
ميشال : لماذا قمتما ، رائع جدا هذا المقهى الشعبي 
شمس : اسمه مقهى " رمسيس "
ميشال : أوه مقهى رمسيس ، لديكم في مصر مقهى رمسيس مثل فندق رمسيس
نور : مثل فندق رمسيس !!! أنت في مصر ولدينا مقهى رمسيس في شارع رمسيس ورمسيس بذات نفسه إذا أردت زيارته سيسعد كثيراً لزيارتك ,  قال زى فندق رمسيس قال هي دى أخرتها يا شمس هي بقت كده خلاص